الرئيسية » فلسفه النسيان حتى يصبح الهروب من الذاكره نجاه ويصبح التذكر الحكمه
مقالات

فلسفه النسيان حتى يصبح الهروب من الذاكره نجاه ويصبح التذكر الحكمه

فلسفه النسيان حتى يصبح الهروب من الذاكره نجاه ويصبح التذكر الحكمه

بقلم محمد عطا القطيعي

 

فَلْسَفَةُ النِّسْيَانِ… حِينَ يُصْبِحُ الهُرُوبُ مِنَ الذَّاكِرَةِ نَجَاةً، وَيُصْبِحُ التَّذَكُّرُ حِكْمَةً

لو كان النسيانُ سلعةً تُباع، لاصطفّت أمام أبوابه قوافلُ المنهكين من الحياة؛ هذا يحمل قلبًا أثقلته الخيبات، وتلك تحمل روحًا أضناها الحنين، وآخر يتمنّى لو استطاع أن يمحو من ذاكرته وجهًا أحبّه بصدقٍ ثم خذله، أو موقفًا كسر شيئًا في أعماقه، أو كلمةً عابرةً نطق بها أحدهم، فظلّ صداها في داخله أعوامًا كأنها لم تُقَل إلا بالأمس.

ولكن، تُرى، لو امتلك الإنسانُ القدرة على النسيان الكامل، أكان سيصبح أكثر سعادة، أم أكثر فراغًا؟ أكان سيتحرّر من آلامه، أم سيفقد معها جزءًا من إنسانيته؟

هنا تبدأ فلسفة النسيان؛ تلك المنطقة الغامضة التي يتصارع فيها القلب مع الذاكرة، والعقل مع الحنين، والإنسان مع ماضيه؛ فلا هو قادرٌ على استعادة ما مضى، ولا هو دائمًا قادرٌ على التخلّص مما مضى.

إن المأساة ليست في أن نتذكّر، وإنما في أن تتحوّل الذكرى إلى سجن، وأن يصبح الماضي حاكمًا على حاضرنا، وأن نمنح الذين آلمونا حقَّ الإقامة في أرواحنا، حتى بعد أن غادروا حياتنا.

فالنسيان، في جوهره، ليس خيانةً للماضي، ولا إنكارًا للحقيقة، ولا جحودًا لمن مرّوا في حياتنا؛ بل قد يكون أحيانًا أرقى صور الرحمة بالنفس، حين ندرك أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى مزيدٍ من التفكير، وإنما تحتاج إلى أن نكفّ عن إيقاظها كل ليلة.

ومع ذلك، فإننا لا نحتاج إلى نسيان كل شيء؛ لأن الإنسان الذي ينسى كل شيء، يفقد القدرة على فهم أشياء كثيرة. ينسى الطريق الذي تعثّر فيه، فيعود إليه؛ وينسى اليد التي امتدّت إليه في ضعفه، فيفقد معنى الوفاء؛ وينسى الدرس الذي علّمته إياه التجربة، فيكرّر الخطأ نفسه، ثم يتساءل في دهشةٍ عن سرّ تكرار الخيبات.

إن الذاكرة ليست مستودعًا للأحداث فحسب، بل هي مختبرٌ تتخمّر فيه التجارب، وتُصاغ فيه الحكمة، ويتشكّل من خلاله وعينا بأنفسنا وبالآخرين.

ولولا ما تعلّمناه من الخسارة، لما عرفنا قيمة ما نملك؛ ولولا مرارة الخذلان، لما أدركنا الفرق بين من يحبّنا ومن يحبّ ما نقدّمه له؛ ولولا لحظات الضعف، لما اكتشفنا تلك القوة الخفيّة التي كانت نائمةً في أعماقنا، تنتظر محنةً توقظها.

لكن ثمة فارقًا عظيمًا بين أن نتعلّم من الألم، وأن نتّخذه وطنًا نسكنه؛ وبين أن نحتفظ من التجربة بحكمتها، وأن نحمل تفاصيلها المؤلمة فوق ظهورنا حتى آخر العمر.

فليس كل جرحٍ يحتاج إلى أن نفتحه كي نتأكّد من أننا تألّمنا، وليس كل غائبٍ يستحق أن نمنحه بقية أعمارنا، وليس كل سؤالٍ في الماضي يستحق أن نظلّ نبحث له عن إجابة.

كم من إنسانٍ أضاع حاضره وهو يحاكم ماضيه! وكم من قلبٍ حرم نفسه بهجة الأيام الجديدة، لأنه ظلّ ينتظر اعتذارًا من إنسانٍ ربما نسي أنه آذاه، بينما لم ينسَ المجروحُ شيئًا من تفاصيل الحكاية!

وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحياة قسوةً: أن الذي جرحك قد يمضي مطمئنًا، بينما تظلّ أنت تعيد المشهد في ذاكرتك، وتستحضر الكلمات، وتراجع المواقف، وتبحث عن تفسيرٍ لما حدث، كأنك تحاول إصلاح الأمس بأدوات اليوم.

ولكن، إلى متى؟

إلى متى نترك للماضي سلطةً على أعمارنا، وللراحلين مفاتيح قلوبنا، وللخيبات حقّ تقرير ما إذا كنا سنبتسم غدًا أم لا؟

إن التحرّر الحقيقي لا يبدأ حين ننسى ما حدث، بل حين نفقد حاجتنا إلى إعادة عيشه في داخلنا.

أن تتذكّر الإساءة دون أن تتحوّل إلى إنسانٍ يسيء، وأن تتذكّر الخذلان دون أن تفقد قدرتك على الثقة بكل من يستحقها، وأن تتذكّر الفقد دون أن تتوقّف عن حبّ الحياة؛ تلك هي شجاعة الروح، وذلك هو النضج الذي لا تمنحه السنوات وحدها، وإنما تمنحه التجارب حين نحسن فهمها.

فالنسيان الجميل ليس أن تمحو الوجوه من ذاكرتك، بل أن تنزع عنها القدرة على إيذائك. وليس أن تنكر ما مررت به، بل أن تعترف به دون أن تسمح له بتعريفك إلى الأبد.

ولا يعني الصفح أن تعيد من آذاك إلى موضعه القديم، ولا يعني تجاوز الألم أن تتنازل عن كرامتك، ولا يعني السلام الداخلي أن تنسى حقوقك؛ فقد تتصالح مع الماضي، وتغلق أبوابه، وتختار ألّا تحمل أحقاده، دون أن تعود إلى الطريق الذي أوجعك.

فالحكمة ليست في أن ننسى كل شيء، ولا في أن نتذكّر كل شيء؛ بل في أن نعرف ما الذي ينبغي أن يبقى درسًا، وما الذي ينبغي أن يرحل وجعًا.

تذكّر ما يحفظ كرامتك، وانسَ ما يستنزف روحك. احتفظ بما يمنحك الحكمة، وتخلّص مما يحرمك السكينة. لا تنسَ من أحسن إليك، ولا تجعل من أساء إليك معيارًا تحكم به على العالم كله.

فليس كل الناس نسخةً ممن خذلوك، وليست كل النهايات دليلًا على أن البدايات كانت كاذبة، وليس كل رحيلٍ هزيمة؛ فبعض الأبواب حين تُغلق، لا تُغلق في وجوهنا، وإنما تُغلق رحمةً بنا من طريقٍ لم يكن يصلح لنا.

يا صديقي…

إن العمر ليس طويلًا بما يكفي لنقضيه في ترميم كل ذكرى، ولا القلب متّسعًا بما يكفي لنحمل فيه كل وجع، ولا الحياة مدينةً لنا بتفسيرٍ لكل ما حدث.

ستبقى أشياء لن نفهمها، ووجوه لن تعود، واعتذارات لن تصل، وأمنيات ستظلّ معلّقةً في ذاكرة الزمن؛ لكن نضج الإنسان يبدأ حين يدرك أن اكتمال حياته لا يتوقّف على اكتمال الإجابات، وأن سلامه لا ينبغي أن يظلّ رهينةً لأشخاصٍ اختاروا الرحيل، أو لأحداثٍ انتهت ولم تنتهِ آثارها بعد.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نتعلّمه هو ألّا نطالب الذاكرة بأن تمحو الماضي، بل أن نعلّم قلوبنا كيف تتعايش مع الحقيقة دون أن تنكسر بها كل يوم.

فلا تطلب قلبًا بلا ذاكرة؛ اطلب قلبًا لا يستعبدُه الماضي. ولا تتمنَّ عقلًا يمحو التجارب؛ تمنَّ حكمةً تستخلص منها العبرة. ولا تجعل غايتك أن تنسى كل ما أوجعك، بل أن تبلغ يومًا تتذكّره فيه، فلا يتغيّر نبضك، ولا تضيق أنفاسك، ولا تشعر بأنك عدت إلى اللحظة التي ظننت أنك نجوت منها.

فذلك هو النسيان الذي يستحق أن نبحث عنه؛ نسيانٌ لا يمحو الحقيقة، بل يمحو سطوتها؛ لا يقتل الذاكرة، بل يحرّر الإنسان من أسرها.

وفي نهاية المطاف، ربما لا تكون أعظم انتصارات الإنسان أن ينسى ما آلمه، وإنما أن يصل إلى تلك اللحظة النادرة التي ينظر فيها إلى ماضيه بعين الحكمة، لا بعين النزف؛ فيشكر ما علّمه، ويتجاوز ما استنزفه، ويترك ما انتهى ينتهي حقًّا.

تذكّر كي لا تكرّر الخطأ، وانسَ كي لا تكرّر الألم، وتعلّم كي لا تظلّ التجربة جرحًا بلا معنى.

فالحياة لا تطلب منك أن تنسى كل شيء، وإنما أن تعرف كيف تحمل ذاكرتك دون أن تحملك هي إلى الهاوية.

وأعظم النضج أن تحتفظ من الأمس بحكمته، لا بوجعه؛ ومن الناس بعبرتهم، لا بأذاهم؛ ومن الحياة بقدرتك على البدء من جديد، مهما أثقلتك النهايات.

لأن الإنسان، في نهاية رحلته، ليس مجموع ما يتذكّره فحسب، بل هو أيضًا مجموع ما استطاع أن يتجاوزه، وما تعلّمه، وما سامح نفسه عليه، وما قرّر ألّا يسمح له بعد اليوم بأن يسرق منه حقّه في الحياة.

وهكذا يصبح النسيان نعمةً حين يُداوي، وتصبح الذاكرة حكمةً حين تُعلّم، ويصبح الإنسان حرًّا حين يعرف أن الماضي جزءٌ من حكايته، لكنه ليس الحكاية كلّها.

فلا تُنكر ماضيك، ولا تسكن فيه؛ خذ منه ما يجعلك أكثر وعيًا، واترك فيه ما يمنعك من أن تكون أكثر سعادة. فما خُلقت القلوب لتكون مقابرَ للوجع، ولا خُلقت الذاكرة لتكون سجنًا للعمر؛ وإنما خُلق الإنسان ليتعلّم، وينضج، ويحبّ، ويخطئ، ويُصلح، ثم يمضي… وفي قلبه من الحكمة ما يكفي ليبدأ من جديد.

————–القطيعى الشريف—————

فلسفه النسيان حتى يصبح الهروب من الذاكره نجاه ويصبح التذكر الحكمهفلسفه النسيان حتى يصبح الهروب من الذاكره نجاه ويصبح التذكر الحكمه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *