اتّزوقت او الزواق عماد من اعمدة الترا الثقافي المغربي)
بقلم الكاتبة المغربية د /امينة المهدي
————————-

اتّزواقت فن تقليدي مغربي لتزيين الخشب برسومات وخطوط هندسية دقيقة، ضمن أسس وضوابط لا يحيد عنها الحرفي المحنك، وبمواد وأدوات خاصة به أيضا. والألوان الجميلة والزاهية والرسومات والاشكال التي نجدها في هذا الفن كثيرها مستوحً من رسومات النسيج والزرابي والفخار، حيث تبرز عبقرية أمازيغ الأطلس المغربي، وتدلنا دون أدنى شك على الأصول العميقة وجذور فن اتّزواقت. وإن تطوَّرَ بعد ذلك وازدهر بشكل مميز بفضل التأثيرات العربية الاندلسية.
إن التقدم الذي عرفه المغرب في عهود متتالية ومتسلسلة، انطلاقا من العهد المرابطي، فالموحدي، والمريني، ثم السعدي، إلى العلوي والذي لا زال مستمرا منذ قرون، وأيضا بما أتى به عرب الأندلس، أثر إيجابا على هذا الفن. لقد اجتهد الحرفيون المغاربة (المعلميين) في تنظيم التخطيطات ودمجها بتعقيدات الهندسة الإسلامية. وازدهر أيضا في المراكز والمدن الكبرى بالمغرب، من فاس، ومراكش، وشفشاون، وتطوان، وكل مدينة أقحمت بصمتها المتميزة، من حيث الالوان والأسلوب الخاص بها، فأنتج هذا الدمج فنا مغربيا محلّيا أصيلا. لقد انتقلت هذه الدراية وهذا الاتقان من جيل لآخر عند الحرفيين “المعلمين”، فتراكمت الخبرة العالية والتنظيم المحكم والتقنين الصارم للحرفة. ومن الشواهد التاريخية الحية عن فن تزوقت بمدينة مراكش هناك قصر البديع وقبور السعديين وقصر الباهية، ومدرسة ابن يوسف، ومتحف دار سي سعيد. وحاليا، لم يعد هذا الفن مقتصرا على المنابر والأسقف وابواب القصور والمدارس العتيقة والمساكن المرموقة وترميم التراث، بل أصبح الحرفيين يعملون على تكييف هذه الزخارف لتلائم ديكورات عصرية كإطارات المرايا، والصناديق، وطاولات الصالونات، والألواح الجدارية وكذا التحف الفنية. لقد أصبح فنا قائما بذاته، حاضرا وبقوة في المغرب.
تقنيا، تجمع زخارف “اتزواقت” بين عائلتين كبيرتين: “التسطير” و”التوريق والتشجير”. فهناك الأنماط الهندسية (التسطير)، وهي نجمات معقدة ذات فروع متعددة، تُشكَّل بنظام ثابت ومنسجم على شبكات منتظمة، ترمز إلى النظام الكوني، والانسجام العالمي واللانهائية. وهناك عائلة أخرى خاصة بالأنماط النباتية (التوريق والتشجير)، تحمل أسماء النباتات كالأوراق، والقرنفل، والسوسن، إلخ…، وكلها مستوحاة من الطبيعة. وكل الأشكال الهندسية لها رمز معين؛ فالدائرة، بدون بداية ولا نهاية، شكل هندسي أساسي تنبثق منها سائر الأشكال. وهي ترمز إلى الوحدانية الإلهية وإلى العالم الروحي والأبدية. والمربع، يمثل العالم المادي والأرضي المُنظَّم، من: العناصر الأربعة، والجهات الأربع، والفصول الأربعة. أما النجمة الثمانية، فتنجم عن تداخل مربعين، ويطلق عليها اسم “خاتم سليمان”، وترمز إلى الانتقال بين العالم الأرضي (المربع) والعالم السماوي (الدائرة).
إن كل تركيبة هندسية تشع انطلاقاً من نقطة مركزية – قد لا ترى أو قد تكون مجسدة- تذكرنا بأن كل شيء في الكون له مصدر واحد، ويعود إليه. فالشبكات الهندسية تمتد إلى ما لا نهاية، وقد تتجاوز إطار الخشب! وهذا الامتداد اللانهائي يدعونا الى التأمل في طبيعة الخلق اللامحدود.
وختاما، زخارف فن “اتّزواقت” تعكس رؤية فلسفية للكون. تجمع بين العالم المطلق وعالم الخلق، فيتجلى الاختلاف والاتحاد بينهما. وهذا الزخرف ليس مجرد عنصر جمالي أو إضافة عابرة بل لغة بصرية وروحية عميقة، تندرج ضمن إطار دلالي يجمع بين الرمزية والروحانية والطبيعة. واليوم، تخضع اتّزواقت لجهود مستمرة ومستميتة للحفاظ عليها في مواجهة منافسة شرسة من التقنيات الصناعية، لضمان بقاء هذا الفن الأصيل الذي يعتبر عماداً من أعمدة التراث الثقافي المادي واللامادي للمغرب.
اتّزوقت او الزواق عماد من اعمدة الترا الثقافي المغربي

📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)