التقاعد: من ملإ الفراغ إلى ترك البصمة”
بقلم الكاتبة المغربية د / أمينة المهدي

————————
مرحلة التقاعد هي فصل جديد غني بالتحولات لدى الموظف. فاستعادة الحرية والممارسة الواعية للوقت، ستعطيه فرصا عديدة للتفتح والازدهار الشخصي إذا عرف كيف يستعملها، والبحث بشكل عشوائي عن هدف لملأ وقت الفراغ بأنشطة تافهة لا يحل المشكلة بل يفاقمها.
مع بلوغ سن التقاعد، يواجه الكثيرون تغيرات جذرية في نمط حياتهم، تبدأ بانتهاء الروتين الوظيفي اليومي، وتراكم ساعات الفراغ التي لم يعتادوا عليها. فجأة، يجدون أنفسهم أمام مساحة زمنية واسعة دون مهام واضحة، مما قد يولد لديهم شعورا بالفراغ. وعلى الرغم من ان هذه المرحلة تحمل تحديات كثيرة، إلا أنها فرصة ثمينة لإعادة تعريف الذات، واستكشاف جوانب جديدة من الحياة، وربما تحقيق أحلام مؤجَّلة. هنا تبرز أهمية البحث الحثيث عن هدف والتخطيط له، كأداة لتحسين جودة العيش. إن تحديد الهدف وتحقيقه هو حجر الأساس في بناء حياة مليئة بالرضا، بعد مرحلة طويلة من العمل المنظم والمبرمج والملزم؛ تجبر المتقاعد على إيجاد أهداف يعمل على تحقيقها وتتويجها بالنجاحات. وهذا يرتكز على عاملين مهمين هما البدأ المبكر في التخطيط والثقة في القدرات. فحين يكون للمتقاعد أو المتقاعدة هدف واضح وذات مغزى يشعرهما ذلك بالانتماء، فيعيدان بناء حياتهما على أسس جديدة، ويستمران في المساهمة بطريقة بناءة تناسب خبراتهما وقدراتهما، ويفتحان آفاقًا جديدة للإبداع والعطاء والارتباط بالمجتمع.
إن التقاعد ليس مجرد انهاء عقد العمل وانتقال الموظف من مرحلة الخدمة المرتبطة بجدول زمني محدد ومسؤوليات إدارية فقط، بل هو انقلاب حياتيّ حقيقي يصبح الوقت ملكاً للمتقاعد الذي عليه إعادة صياغة علاقته به، وذلك بالمهارات التي لديه وبعلاقته بالمجتمع من اسرة واهل واصدقاء، وبالأنشطة البديلة التي ستمنحه التوازن النفسي والصحي.
ختاما، الهدف الأساسي في مرحلة التقاعد ليس التنافسية في العمل، بل ترك البصمة والأثر، ليتحول التقاعد من نهاية مرحلة مهنية إلى بداية وانطلاقة لمشروع معرفي وإنساني أكثر عمقاً وحرية، حيث ينتقل من وظيفة العمر إلى حريّة الفكر والعطاء. فيجمع بين إيجابية المرحلة وحرية التخطيط والاختيار، مع مواصلة العطاء، ويمنحه ذلك الاختيار والتخطيط طابعاً يتجاوز فكرة “ملء الفراغ” إلى فكرة “تأكيد الأثر”.
التقاعد: من ملإ الفراغ إلى ترك البصمة”

📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)