الرئيسيةمقالاتالتكنولوجيا تتقدم… والعقل البشري يتأخر: 
مقالات

التكنولوجيا تتقدم… والعقل البشري يتأخر: 

التكنولوجيا تتقدم… والعقل البشري يتأخر: 

بقلم : نعمة حسن 

حين استبدل الإنسان “اليد المفكّرة” بـ“الزرّ الجاهز”

كان الإنسان قبل التكنولوجيا يفكّر بعقله… ثم يصنع بيده.

أما اليوم، فكثيرٌ من البشر يفعلون العكس: يضغطون بأيديهم… دون أن يفكّروا بعقولهم.

والمأساة ليست في “التكنولوجيا” نفسها، بل في العقل الذي تنازل عن دوره طوعًا، ثم وقف مذهولًا أمام من لم يتنازل.

نحن لا نعيش عصر الآلات فقط…

نحن نعيش عصر تعطيل الإنسان لصالح الآلة.

وهنا يحدث اللقاء الخطير:

تكنولوجيا تصعد… وعقل يهبط…

فنلتقي في منتصف الطريق على شكل إنسانٍ يعمل دون تفكير.

لكن الأخطر من هذا كله… أن ما تركناه ليس “عادة ذهنية” فقط…

بل تركنا واجبًا.

نعم، لأن “العقل” في ديننا ليس رفاهية.

العقل في الإسلام تكليفٌ ومسؤولية، وعبادةٌ من نوعٍ آخر: عبادة الوعي.

والقرآن لم يقدّم لنا الإيمان كحالة عاطفية، بل كيقظة عقلية متكررة:

أفلا تعقلون… أفلا تتفكرون… أفلا يتدبرون… أولم ينظروا…

كأن الرسالة تقول بصوت واضح:

اترك عقلك… تخسر نفسك.

١) كيف صارت التكنولوجيا “عكازًا”… ثم أصبحت “عقلًا بديلًا”؟

في الماضي، كان العقل يمرّ على كل خطوة:

يفهم…

يتدرّب…

يخطئ…

يصحّح…

ثم يتقن.

اليوم كثيرون يقفزون مباشرة إلى النهاية:

“ابحث بدل ما تقرأ.”

“احسب بدل ما تفهم.”

“صوّر بدل ما تلاحظ.”

“انسخ بدل ما تكتب.”

“اسأل بدل ما تحاول.”

وهنا الكارثة:

الآلة لا تُضعف الإنسان لأنها قوية…

بل تضعفه لأنه سمح لها أن تقوم بوظيفة عقله.

التكنولوجيا صُمّمت لتكون أداة…

لكن الإنسان ـ حين كسل ـ حولها إلى بديل.

وهذا هو الفارق بين من يستخدم التقنية كقوة…

ومن يُستخدم بها كضعف.

٢) أمثلة أقوى من “الآلة الحاسبة”… كيف سُحب العقل خطوة خطوة؟

في الماضي كان الإنسان يجمع ويطرح ويضرب بعقله، ويتدرّب على المنطق والصبر، وكان الحساب تدريبًا حقيقيًا للعقل.

واليوم؟

أقل مسألة جمع قد تُحلّ بالهاتف… لا لأن المسألة صعبة… بل لأن الإنسان اعتاد أن لا يُجهد عقله ولو دقيقة.

لكن الأمر تعدّى الحساب بكثير… بل تمدّد حتى صار أسلوب حياة.

١) الاتجاهات: عقل كان يرسم الطريق… واليوم يتبع السهم

قديمًا: الإنسان يعرف المدينة، يحفظ الطرق، يقرأ الإشارات، يسأل، ويتعلم.

الآن: إن انقطع الإنترنت أو تعطّل الـGPS يصبح الإنسان فاقد الاتجاه… كأنه يعيش لأول مرة على الأرض.

النتيجة؟

عقل المكان مات.

والذي كان يملك خريطة في ذهنه… صار يحمل خريطة في شاشة.

والأسوأ: أن الإنسان لم يفقد الطريق فقط…

بل فقد “الثقة” في قدرته على إيجاده.

٢) الحفظ: عقل كان يملك ذاكرة… واليوم يملك “قائمة”

قديمًا: الإنسان يحفظ أرقامًا، أسماءً، تواريخًا، نصوصًا.

الآن: كل شيء محفوظ في الهاتف… فإن ضاع الهاتف ضاع معه جزء من ذاكرة صاحبه.

ليس لأن العقل لا يستطيع الحفظ…

بل لأنه توقف عن التدريب.

والذاكرة مثل العضلة: إن تركتها… ضمرت.

ومن يسلّم ذاكرته للهاتف… كأنه يضع عقله في وضع السكون.

٣) الكتابة: عقل كان يبني الجملة… واليوم يضغط “اقتراح”

قديمًا: الكاتب يصنع الجملة بعرق عقله، يصوغ ويهذب ويزن الكلمات.

الآن: الكثير يكتب عبر التصحيح التلقائي والاقتراحات الجاهزة، حتى إن صارت اللغة “تُكتب عنه” لا “تُكتب منه”.

وهنا يتحول الإنسان من “مؤلف” إلى “مُختار”:

لا يخلق المعنى… بل يختار من خيارات.

وتلك ليست كتابة…

تلك إعارة صوت.

٤) الفهم: عقل كان يصبر على المعرفة… واليوم يريدها في ١٠ ثوانٍ

قديمًا: القراءة رحلة طويلة، تبدأ بسؤال وتنتهي بإدراك.

الآن: فيديو ١٥ ثانية، وملخص ٣ سطور، وعنوان صادم… ثم يظن الإنسان أنه “فهم”.

لكن الحقيقة أن ما يحدث ليس فهمًا…

إنه استبدال المعرفة بالإحساس.

والإحساس لا يصنع عقلًا…

الإحساس يصنع ردّ فعل فقط.

والمجتمع الذي يتحول إلى ردود أفعال…

يفقد القدرة على الرؤية، والتقييم، والحكمة.

٥) المهارة: عقل كان يتعلم… واليوم يطلب “زرار”

في الماضي كانت المهارة تُكتسب بالتعب:

النحت…

الخط…

الحفر…

التطريز…

صقل المعادن…

صناعة الزجاج…

الرسم على الخشب…

اليوم كثيرون يريدون النتيجة فورًا:

فلتر جاهز… قالب جاهز… تصميم جاهز… أداة جاهزة.

والنتيجة؟

جيل يرى الإبداع… لكنه لا يصنعه.

جيل يستهلك “النتائج”… لكنه لا يعرف طريقها.

وهنا لا تسقط المهارة فقط…

بل يسقط معها معنى “الإنجاز”.

٣) ما تركناه ليس تطورًا… بل تخلّيًا عن واجب العقل

المؤلم أننا لا نخسر مهارة واحدة…

نخسر “إنسانيتنا العقلية” قطعة قطعة.

نحن ننسى أن العقل في ديننا ليس شيئًا جانبيًا…

بل هو مناط التكليف.

به نميز… وبه نزن… وبه نحاسب أنفسنا.

وحين نؤجر عقولنا للتكنولوجيا، كأننا نرتكب أخطر نوع من الاستهتار:

استهتار بالهبة التي جعلتنا بشرًا.

الدين لم يأمرنا أن نكون مجرد “مطيعين بلا فهم”…

بل أمرنا أن نكون واعين.

أن نسأل… لا أن ننسخ.

أن نتدبر… لا أن ننخدع.

أن نُعمل العقل… لا أن نستقيل منه.

وكل من يظن أن ترك العقل “راحة”… لا يعرف أن الراحة التي تأتي من إيقاف التفكير…

هي الراحة التي تسبق الضعف.

٤) من لم يتنازل… سيتحكم في من تنازل

التكنولوجيا لا تُخيف في يد العاقل.

التكنولوجيا تُخيف حين تصبح العقول فارغة… والأزرار ممتلئة.

هناك من يستخدم التقنية ليصعد…

وهناك من يستخدم التقنية ليهرب…

وهناك من تُستخدم فيه التقنية دون أن يدري.

والفرق بينهم ليس التطبيق…

بل “العقل”.

من يتعب في التفكير… يملك القرار.

ومن يعيش على الجاهز… يُقاد.

الخلاصة: لا تجعل الآلة تفكر عنك

ليس المطلوب أن نكره التكنولوجيا…

المطلوب أن نعيد العقل إلى مكانه الطبيعي:

القائد لا التابع.

فالمشكلة ليست أن لدينا أدوات قوية…

المشكلة أن كثيرًا منا صار بلا عقلٍ حاضر.

التكنولوجيا تتقدم… نعم.

لكن السؤال المرعب هو:

هل يتقدم الإنسان معها…

أم يتراجع وهو يحمل أحدث جهاز؟

لأن أخطر مشهد في العصر الحديث ليس إنسانًا أمام آلة…

بل إنسانٌ يظن أنه يملكها…

وهو في الحقيقة يُدار بها.

التكنولوجيا تتقدم… والعقل البشري يتأخر: 

التكنولوجيا تتقدم… والعقل البشري يتأخر: 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *