العقول التي تسافر بلا خطوات
بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل إنسان مساحة خفية لا يراها أحد هي المساحة التي يتحرك فيها خياله بلا قيود ويتجول فيها عقله بحثا عن احتمالات لم توجد بعد هذه المساحة هي الوطن الحقيقي للأفكار التي لم تولد وللأسئلة التي لم تجد من يطرحها وللحكايات التي يخفيها الإنسان لأنها أكبر من أن تقال وأعمق من أن تحكى وفي هذه المساحة يبدأ الإنسان يفهم نفسه بطريقة مختلفة تماما عن تلك التي يراها
الآخرون فهو يرى صراعاته وقلقه وأحلامه ومخاوفه ورغبته الدائمة في أن يكون نسخة أفضل من نفسه حتى لو لم يعترف بذلك أمام أحد العقول التي تسافر بلا خطوات هي العقول التي لا تحتاج إلى طريق مرسوم لأنها تصنع طريقها وهي تمشي ولا تحتاج إلى ضوء خارجي لأنها تضيء ظلامها من الداخل ولا تبحث عن تصفيق من الناس لأنها تعلم أن الفكرة العظيمة تبدأ بصمت طويل
ثم تنفجر في القلب قبل أن تصل إلى العالم هذه العقول لا تخشى أن تفشل لأنها ترى الفشل تجربة لا جدارا ولا تتردد أمام المجهول لأنها تعرف أن كل اكتشاف عظيم بدأ من منطقة لم يجرؤ أحد على الدخول إليها وهناك من يملك عقلا يستطيع أن يعيش ألف حياة في ساعة واحدة حياته الحقيقية ربما بسيطة لكن مساحة عقله واسعة لدرجة تجعله يرى ما وراء الأشياء يسمع ما بين الكلمات يلتقط ما لا
ينتبه له الآخرون هذا النوع من البشر غالبا يبدو غامضا لأنه يعيش في عمق لا يصل إليه إلا من يشاركونه نفس القدرة على الغوص داخل التفاصيل والوقوف عند النقاط التي يعتبرها الآخرون عابرة
ومع مرور الوقت يكتشف الإنسان أن أكبر رحلاته لم تكن في المدن ولا الطرق ولا البلدان بل كانت داخل عقله حين تعلم كيف يواجه صورته القديمة كيف يتصالح مع جروحه كيف يحول خوفه إلى
قوة وكيف يصنع من لحظة واحدة بداية جديدة هذه الرحلات الصامتة هي التي تشكل روحه وتبني وعيه وتجعله أكثر قدرة على فهم العالم والناس والظروف التي يخوضها كل يوم يدرك الإنسان أن العقل ليس مجرد آلة تفكير بل عالم كامل يشتعل بالطاقة حين يستخدم بشكل صحيح وأن من يمتلك عقلا يسافر بلا خطوات لا يحتاج إلى شهرة ولا مال ولا اتباع لأنه يكفيه أنه يرى ما لا يراه
الآخرون ويشعر بما يعجز الآخرون عن إدراكه ويصنع من أفكاره حياة لا يستطيع أحد أن يسلبها منه مهما تغيرت الدنيا
العقول التي تسافر بلا خطوات


