المعنى الحقيقي للقوامة
كتبت : نعمة حسن
الحقيقة التي تُحرج الكثيرين
لماذا قال الله: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ” ولم يقل: الذكور؟
حين تُعيد اللغة ترتيب الدين… يفهم الناس العدل
هناك فرقٌ خطير بين كلمتين يظنهما كثيرون شيئًا واحدًا:
الذكر والرجل.
الذكر وصفٌ بيولوجي، لا يحمل في ذاته قيمةً أخلاقية ولا وزنًا اجتماعيًا ولا مسؤوليةً إنسانية.
أما الرجل في لغة العرب وفي منطق القرآن… فليس مجرّد جنس، بل صفة مقام:
مقامُ عقلٍ وتمامٍ وحِملٍ للواجب.
ولهذا جاءت الآية بميزانٍ مُحكم:
“الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”
ولم تقل: “الذكور قوامون”.
لأن الله لا يمنح الإمتيازات بالجلد والعظم…
بل يمنح التكليف بمن يستحق حمله.
فالقرآن لا يرفع “ذكرًا” لأنه ذكر…
بل يضع “رجلاً” في موضع القوامة لأنه قام بما يوجب القوامة.
وهنا يبدأ العمق الإلهي الذي يُخطئ الناس فهمه.
أولًا: “الرِّجَالُ” ليست كلمة جنس… بل كلمة “معيار”
في الوعي الشعبي، صارت كلمة “رجال” تُفهم أنها مجرد “ذكور”.
لكن القرآن لا يكتب بمنطق الهوية… بل بمنطق الوظيفة والمعيار.
الرجل في المنظور القرآني:
هو الذي يرتقي من مجرد الذكورة إلى معنى الرجولة:
رجولةُ النفس قبل العضلات،
رجولةُ الوفاء قبل الصوت العالي،
رجولةُ الحِلم قبل السيطرة،
رجولةُ الحماية قبل الإهانة.
فحين يقول الله “الرِّجَالُ” فهو يتحدث عن فئةٍ تحقّق شرطًا:
من قام بحقوق القوامة… كان أهلًا لها.
ومن سقط عنها… سقط وصف “الرجل” وإن بقي “ذكرًا”.
وهكذا يضرب القرآن أول صفعة للمفاهيم المزيفة:
ليس كل ذكرٍ رجلًا…
ولا كل من وُلد ذكرًا أصبح تلقائيًا صاحب سلطةٍ على امرأة.
ثانيًا: “قَوَّامُون” ليست “قائمون”… إنها صيغة مُبالغة تقطع النزاع
القرآن لم يقل: “قائمون”
بل قال: “قوّامون”
وصيغة “فعّال” في العربية ليست مجرد وصف عابر…
إنها تدل على كثرة الفعل وثباته وتكراره وتحمله.
يعني: ليس موقفًا مؤقتًا.
ليس لحظة غضب.
ليس قرارًا يُستخدم عند الخلاف.
بل استعداد دائم للحمل والرعاية والالتزام.
القوامة هنا ليست “هيمنة”…
القوامة هنا وظيفة استمرارية:
تحمّل، إدارة، حماية، إنفاق، مسؤولية، صبر، وقيام بأعباء الواقع.
وهنا يظهر الفرق الأخلاقي العظيم:
القرآن حين أعطى القوامة… أعطاها كعبءٍ لا كجائزة.
ثالثًا: “على النساء” ليست فوقية إذلال… بل “على” الرعاية والتحمّل
كلمة “على” في العربية قد تأتي لمعنى السيطرة،
وقد تأتي لمعنى التكفّل والالتزام والقيام على الشيء كحارس له ومصلح لشأنه.
كما يقال:
“فلان قائم على شؤون أسرته”
أي يتحملها، يديرها، يدفع عنها، يرعاها.
فمن فهم “على النساء” أنها إذلال… فقد فهم اللغة خطأ.
ومن جعلها ذريعة لإهانة المرأة… فقد استخدم النص ضد مقصده.
القوامة ليست “تأديبًا”…
القوامة ليست “تحكمًا”…
القوامة ليست “قهرًا”…
القوامة صيانة، وتكليف، والتزام.
رابعًا: الآية نفسها وضعت شرط القوامة وفضحت المزيفين
وهنا قمة الإبهار:
القرآن لم يذكر القوامة مجردة…
بل قيدها بسببين واضحين داخل الآية نفسها:
“بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”
لاحظ الإعجاز:
لم يقل فضّل الرجال على النساء مطلقًا.
بل قال: “بعضهم على بعض”
وهذه جملة تخلع تاج الغرور من رأس كل من توهم التفوق المطلق.
الفضل هنا تفاضل وظائف وكفاءات لا تفاضل كرامة أو إنسانية.
فقد تفضل امرأة في العلم على رجل،
وتفضل امرأة في الحكمة على رجل،
وتفضل امرأة في الصبر على رجل…
لكن الوظائف داخل الأسرة لها توزيع بناء لا “احتقار”.
ثم جاء الشرط الحاسم الذي يسقط ألف “ذكرٍ” من القوامة دفعة واحدة:
“وبما أنفقوا من أموالهم”
يعني القوامة ليست شعارًا…
القوامة ليست صراخًا…
القوامة ليست قسوة…
القوامة ليست ذكورةً تمشي على قدمين…
القوامة نفقة ومسؤولية وقيام بالواجب.
وهنا الحقيقة التي يكرهها المتسلطون:
من لا ينفق… من لا يتحمل… من يتهرب…
ثم يطالب بالقوامة…
هذا لا يطلب حكمًا شرعيًا…
بل يطلب “امتيازًا مجانيًا”.
والقرآن لا يعطي الامتيازات المجانية.
خامسًا: القوامة ليست أن “يقوم المرأة”… بل أن “يقوم لها”
وهنا لبّ الفهم الذي يغيّر كل شيء:
في أذهان كثيرين، القوامة معناها:
“يقومها”
أي يُقوّمها، يربيها، يؤدبها، يجعلها تسير على مزاجه.
لكن هذا فهمٌ منحرف عن معنى “قام على”.
الصحيح:
القوامة أن يقوم عليها بمعنى:
يقوم بأمرها، يقوم بمصالحها، يقوم بمسؤوليتها، يقوم بحمايتها، يقوم بكفايتها.
المرأة ليست مشروع تقويم.
المرأة إنسان كامل.
والقرآن لم يأت ليصنع “سيدًا” و“تابعة”…
بل جاء ليصنع أسرةً تستقر.
فإذا تحولت القوامة إلى سلاح تهديد… فقد ماتت القوامة.وإذا تحولت إلى إذلال… فقد تحولت إلى ظُلم.
والظلم لا يسكن في القرآن… يسكن في النفوس المريضة التي تستعمله كقناع.
سادسًا: أخطر خطأ شائع: تحويل التكليف إلى تشريف
أكبر تحريف للحقائق الدينية ليس تغيير الكلمات… بل تغيير المقاصد.
القوامة تكليف ثقيل.
لكن بعض الناس قلبها “تشريفًا” فارغًا.
يعني بدل ما يسمع “أنت مسؤول”
سمعها “أنت متحكم”.
بدل ما تكون القوامة:
واجبًا أمام الله
صارت عنده:
سلاحًا ضد المرأة
وهذا لا يفسد المرأة… بل يفضح الرجل.
لأن الرجل الحقيقي لا يحتاج أن يقهر أحدًا ليشعر أنه رجل.
الرجل الحقيقي يثبت رجولته بالقيام لا بالتحكم.
سابعًا: عظمة الخالق تظهر في عدل البنية… لا في صراخ التأويل
القرآن لا يرفع طرفًا ليكسر طرفًا.
القرآن يبني توازنًا لو فُهم كما أراده الله، لصارت البيوت جنة.
القوامة ليست امتيازًا للرجل…
بل حماية للأسرة من الفوضى.
كما أن أي سفينة تحتاج قائدًا…
لكن القائد ليس مالك الركّاب…
بل أول من يُحاسب لو غرقت السفينة.
وهكذا الرجل “قوّام” لأنه أول من يُسأل:
عن النفقة
عن الأمن
عن العدل
عن الرعاية
عن الصبر
عن الاحتواء
فالقوامة ليست تصريحًا بالتسلط.
القوامة تصريحٌ بالمحاسبة.
وهنا اضع قلمي لاقول باختصار : القوامة التي تُهين المرأة ليست قوامة… بل جريمة باسم الدين
وأخيرًا،
القوامة ليست أن تُخضع المرأة… بل أن تُسندها.
القوامة ليست أن تكسرها… بل أن تحمل عنها.
القوامة ليست أن تتعالى… بل أن تقوم.
ومن أراد القوامة بلا نفقة…
وبلا رحمة…
وبلا مسؤولية…
فهو لا يطلب شرع الله…
بل يطلب “سلطانًا مزيفًا”.
والقرآن لا يصنع طغاة…
القرآن يصنع رجالًا.
فدعونا نفهم مقاصد القرأن الكريم لأنها حقا تقيم الاسر المتوازنة اما مقاصدنا نحن فقد بعدت تماما عن المقصود في القرآن الكريم .
حفظنا الله جميعاً وحفظ لنا رجالنا واسرنا .
مع تحياتي ..
المعنى الحقيقي للقوامة


