الرئيسيةمقالاتالمنجيات من الفتن
مقالات

المنجيات من الفتن

المنجيات من الفتن

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

عجبا لنا معاشر الخلق من أي شيء خلقنا وما الذي نحمله في أجوافنا؟ أليست أعيننا تحمل القذى؟ أليست أنوفنا تحمل المخاط؟ أليست آذاننا تحمل ما تعلمون؟ أليس في أجوافنا البول والغائط؟ أليس في مغابننا من الروائح ما يجل المسجد عن ذكره ووصفه؟ عجبا لنا وقد خلقنا من ماء مهين، أنى لهذا الإنسان الضعيف المسكين الذي هو من أصل مهين أن يتجبر أو يعرض عن طاعة الله، إن حق كل عبد من عباد الله، والواجب عليه أن يعرف مقدار ذله وحقارته وصغره أمام عظمة الله عز وجل المطلقة التي لا يحدها حد أبدا، ومن أدرك ذلك فإن هذا من أعظم أبواب الإقبال على الله عز وجل، أن تعلم أنك إن أطعت فإنما تطيع من يستحق الطاعة، وإن عبدت فإنما تعبد من يستحق العبادة وحده لا شريك له، وإن أذنبت فليس بحقيق لك ولا يجوز لك أن تصر على الذنب وأن تمعن في المعصية.

 

بل واجبك أن تنكسر وأن تفر من الله إلى الله، وأن تهرب من سخط الله إلى رحمة الله، ترجو حلمه وستره ومغفرته، وإعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وبهذاين الأصلين اهتدت الأمة قديما، وهما سبيل نجاتها في سائر الأزمان والأحوال، فمن تمسك بهما رشد وإستقام ومن ضلّ عنهما غوى وهوى ويزداد يقيني يوما بعد يوم أنه لا خلاص لهذه الأمة من هذا الواقع الذي تعيشه، والبؤس الذي تحياه، لتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس إلا بأن تجعل القرآن الكريم سبيل نجاتها وحبل خلاصها وهاديها من حيرتها ومنقذها من رقدتها، به تحيا، وفي ضوئه تسير، وعلى منهاجه تموت فيقول تعالي ” وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” وإن من المنجيات من الفتن هو السير في ركاب جماعة المسلمين وإمامهم، فيد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.

 

فذلك مخرج من الفتن فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال صلي الله عليه وسلم ” نعم ” قلت وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال صلي الله عليه وسلم ” نعم وفيه دخن ” أي كدر، قلت وما دخنه؟ قال صلي الله عليه وسلم ” قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ” قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال صلي الله عليه وسلم ” نعم دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ” قلت، فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال صلي الله عليه وسلم ” تلزم جماعة المسلمين وإمامهم” قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال صلي الله عليه وسلم ” فاعتزل تلك الفرق كلها. 

 

ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ” متفق عليه، ولا بد لأهل الحق من الإجتماع وعدم الفرقة والعمل على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفهم، والوقوف صفا واحدا ضد قوى الشر والعدوان، وذوي البغي والفساد، وأن يسعوا جاهدين في إطفاء نار الفتنة، وإزالة أسبابها، والتخفيف من وطأتها قدر الطاقة والإستطاعة، بما يحقق مصالح أمة الإسلام، ويدرأ عنها المفاسد، ويجنبها المخاطر، فابتعدوا عن ملتطم الغوائل، وآثروا السلامة عند الفتن والنوازل، واسلكوا المسالك الرشيدة، وقفوا المواقف السديدة، وراعوا المصالح، انظروا في المناجح، ووازنوا بين حسنات ما يدفع وسيئات ما يقع ويتوقع، وارتادوا الأنفع والأنجع، واحقنوا الدماء في أهبها، ووإدوا الفتنة في مهدها، فالفتنة راتعة تطأ في خطامها، من أخذ به وطئته، ومن فتح بابها صرعته.

 

ومن أدار راحتها أهلكته، فيقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ” ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ” رواه البخاري، وقال سفيان رحمه الله ” لأنه أول من سن القتل” ويقول عليه الصلاة والسلام ” لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض” رواه مسلم وقال ابن عمر رضي الله عنهما ” في الفتنة لا ترون القتل شيئا” فقودوا أنفسكم بزمام العلم، وأكبحوها بلجام الصبر، واحذروا ركوب متن اللجاج ومركب التهارج حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها أو يتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل معه إلا شتات الكلمة وشماتة العدو، واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك ” متفق عليه، وفي لفظ لمسلم ” أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ” وقال عليه الصلاة والسلام ” سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *