الهبد والهري بالاتحادية الوهمية مرورا بالجمهورية الجديدة
الممر مئة وتسعة
بقلم / محمد جابر
هذا الممر أعتقد أن الأغلبية مروا داخله في هذا الممر تختلط الكثير من الأمور ببعضها حيث يجلس الساجع بجوار الناجع على مائدة النائم ويختلط الحابل بالنابل فيصبح الأغلبية نقادا وسياسيين ومثقفين كل هذا ويزيد أنك تتحسس أنهم يجلسون داخل الاتحادية عندما تطالع ما يكتبون هنا تمتزج الحقائق مع الشائعات وأصبح المتلقي العادي أمام سيل متواصل من المعلومات غير الموثقة لا سيما فيما يتعلق بالتعديلات الوزارية وتغير مراكز صنع القرار يطالع المواطن منشورات على منصات التواصل الاجتماعي توحي بأن كاتبها على تماس مباشر مع دوائر الحكم أو مطلع على ما يدور داخل القصر الرئاسي أو عادة قد أخذ رأيه شخصيا في التعديلات بينما الواقع في أغلب الأحيان لا يتجاوز كونه اجتهاد شخصي أو نقل عن مصادر مجهولة أو بلغة الممر هو هري الإبداع
المشكلة لا تكمن في تداول الأخبار بحد ذاته فحق المعرفة ركن أصيل لأي مجتمع وإنما في غياب المعايير المهنية التي تضبط عملية نشر الخبر غير المؤكد لا يضيف إلى وعي المواطن بقدر ما يربك إدراكه ويزرع حالة من القلق والترقب وقد يسهم في صناعة رأي عام قائم على افتراضات لا على وقائع وهنا يتحول الفضاء الرقمي من منصة للتنوير إلى ساحة للفوضى المعرفية
وتخرج من دائرة الحوار الثقافي والسياسي المعرفي إلى فتح المندل ودعك الفانوس ورؤية الطالع وتخمين الأبراج وقراءة أوراق اللعب
ولا يقتصر هذا الاضطراب على منصات التواصل الاجتماعي فحسب بل يمتد إلى بعض الممارسات داخل المجال النيابي ذاته حيث يخرج عدد من النواب بمقترحات أقرب إلى الترند منها إلى السياسات العامة المدروسة مقترحات تصاغ بروح الجذب الإعلامي لا بروح التشريع الرشيد وكأن الغاية ليست معالجة مشكلة واقعية بقدر ما هي لفت الانتباه وحجز مساحة في المشهد العام غير أن هذا وحده لم يكن موضع الدهشة الأكبر
فالغريب حقا أن يجد هذا النوع من المقترحات من يتلقفه من الساسة والإعلاميين فيتولون الترويج له والدفاع عنه رغم أن الأغلبية تعارضه وتعلن تحفظها عليه هنا تتحول السياسة من ساحة للاجتهاد الجماعي القائم على المصلحة العامة إلى ساحة لاستعراض المواقف وتسجيل الحضور الرمزي في مشهد أقرب إلى ركوب موجة رائجة لا إلى صناعة قرار مسؤول
في هذا الممر يصبح التشريع فعل دعائي وتتحول القضايا العامة إلى صخب إعلامي عابر يستثمر لحظي ثم يلقى دون معالجة جذرية وكأن بعض الفاعلين السياسيين يكتفون بالتباهي بما لا يملكون في صورة لا تخلو من السخرية والمرارة حين يتباهى الأصلع بشعر ابنة أخيه فيما الواقع يزداد فقر سياسي وثقافي واجتماعي أما الفقر الاقتصادي فهو الأقل ضرر في هذا الممر
إن هذا الممر يعكس أزمة أعمق في الممارسة السياسية حيث يتراجع النقاش الرصين أمام الزوبعة الإعلامية ويستبدل الرؤية السياسية طويلة المدى بالاستجابة اللحظية لمزاج الرأي العام وبدلا من أن تكون المؤسسات التشريعية ساحات لإنتاج السياسات المبنية على البحث والدراسة والتشاور تصبح منصات لتدوير الأفكار السطحية ومهاترات لا قبل لنا بها حيث أعدت لتكريس جدل عقيم وتلقف منشورات ادعائية لا صحة لها ولا يعرف مصدرها
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب يسهم في إضعاف ثقة المواطن في العمل العام إذ يرى أن القضايا الجوهرية تهمش لصالح معارك جانبية وأن صوته لا يترجم إلى سياسات مرئية ملموسة بل يجرف داخل هرم التصريحات والمواقف المتناقضة وهنا لا يعود السؤال عن صحة الخبر أو جدية المقترح بل عن جدوى العملية السياسية ذاتها في نظر المواطن البسيط
وعندما تصل إلى الخروج من هذا الممر تدرك أننا لسنا في حاجة إلى مزيد من الهبد والهري ولا إلى مزيد من فرقعة الترندات السياسية بل إلى خطاب عقلاني ومتلقي واعي مدرك من أين يستقي ومسؤول يعيد الاعتبار للسياسة كفن لإدارة المصالح العامة لا كوسيلة للظهور الإعلامي لقد هرمنا من كثرة ما ننتظر صحوة الوعي آن الأوان أن نفيق جميعا وأن ندرك أن بناء الدولة لا يقوم على الشعارات العابرة بل على الرؤية الواضحة والعمل الجاد والالتزام الحقيقي بمصالح الناس فنحن سائرون نحو الجمهورية الجديدة ندفع الكثير من الكثير لهذا وجب أن تكون في أماكنها ولمن يستحقها وأولوياتها وآليات تحصيلها ونوعية مستحقيها
الهبد والهري بالاتحادية الوهمية مرورا بالجمهورية الجديدة


