
بين النقد المشروع والواقع القانوني
قراءة هادئة في شكاوى المصريين بالخارج ودور المؤسسات الرسمية،
بقلم: عبدالحميد نقريش
تشهد الساحة بين الحين والآخر موجات من الجدل يثيرها بعض المصريين المقيمين في الخارج، لا سيما في فرنسا، على خلفية بطء بعض الإجراءات القنصلية، وتأخر الردود، وصعوبة استخراج جوازات السفر وبطاقات الرقم القومي، إلى جانب الجدل المتكرر بشأن شهادات الإعفاء من الخدمة العسكرية، والموافقات الأمنية، وارتفاع الرسوم المرتبطة بهذه الخدمات.
ويعكس هذا الغضب حالة شعور متزايدة بالضغط لدى قطاع من المصريين بالخارج، وهو غضب يمكن تفهم أسبابه في ظل تطلع المواطن إلى خدمة سريعة وواضحة تحفظ كرامته وتراعي ظروفه المعيشية. غير أن مقاربة هذه القضايا تفرض قدرًا من التوازن بين الحق المشروع في النقد، وبين الفهم الدقيق لطبيعة الإجراءات القانونية واختصاصات الجهات المعنية.
ويبرز في هذا السياق خلط شائع بين دور السفارات ودور القنصليات، إذ تقتصر مهام السفارة على التمثيل السياسي والدبلوماسي للدولة، بينما تختص القنصليات بتقديم الخدمات المباشرة للمواطنين، مثل إصدار جوازات السفر، وبطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، والتصديقات، إلى جانب ملفات التجنيد. ويؤدي تحميل جهة مسؤوليات لا تدخل ضمن اختصاصها إلى تعميق الشعور بالإحباط، وإلى تصعيد خطاب لا يساهم في حل الإشكاليات القائمة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الدولة المصرية تطورًا ملحوظًا في ملف التحول الرقمي وربط قواعد البيانات بين الجهات المختلفة، وهو تطور أسهم في تعزيز الرقابة والدقة، لكنه في الوقت ذاته كشف عن أوضاع قانونية قديمة لم تكن ظاهرة من قبل، مثل أحكام غيابية، أو قضايا لم تُسوَّ، أو إشكاليات تتعلق بالتجنيد أو السفر. ونتيجة لذلك، بات تأخر بعض المعاملات مرتبطًا في كثير من الحالات بمراجعات قانونية وأمنية إلزامية، لا بتقصير إداري مباشر.
أما ما يتعلق بالموافقات الأمنية، فهي لا تُعد قرارات فردية أو تقديرية تصدر عن موظف بعينه، بل تعتمد على بيانات رسمية واردة من الجهات المختصة داخل مصر. وقد يُرفض الطلب أمنيًا لأسباب قانونية بحتة، مثل وجود حكم قضائي أو وضع قانوني غير مكتمل، وغالبًا ما يكون هذا الرفض مؤقتًا لحين تصحيح الوضع، وليس إجراءً تعسفيًا دائمًا.
وفيما يخص الجدل الدائر حول ارتفاع تكلفة شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية، فإن هذه الرسوم تُحدد بقرارات مركزية من جهات سيادية، ولا تملك القنصليات أو السفارات صلاحية تعديلها، ما يجعل دور الجاليات محصورًا في نقل المطالب والمعاناة بشكل منظم ومؤسسي، بعيدًا عن الاتهامات أو التصعيد غير المحسوب.
وبين الاندفاع العاطفي المشروع لدى شباب حريص على الدفاع عن حقوقه، وبين لجوء البعض إلى استغلال منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة ضغط لتجاوز معوقات قانونية قائمة، تظل سيادة القانون مبدأ حاكمًا لا يقبل الاستثناء. فالموظف العام، داخل مصر أو خارجها، يلتزم بتنفيذ ما تفرضه القوانين واللوائح، دون زيادة أو نقصان.
وفي المحصلة، فإن الدفاع عن حقوق المصريين في الخارج لا يتعارض مع احترام مؤسسات الدولة، كما أن النقد البناء لا يعني التشهير أو إنكار الجهود المبذولة. المطلوب هو خطاب أكثر وعيًا وتوازنًا، يطالب بالحقوق، ويفهم القيود القانونية، ويفرق بين التقصير الفعلي ومتطلبات القانون، بما يسهم في تحسين الخدمات وتعزيز الثقة بين الدولة وأبنائها
