الرئيسيةأخبار العالمجنيف بين التسوية والانفجار
أخبار العالم

جنيف بين التسوية والانفجار

جنيف بين التسوية والانفجار

كتب ضاحى عمار 

تحركات متسارعة قبل الجولة الثالثة المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها لحظة فارقة لا تخص الطرفين وحدهما، بل تمس معادلة الأمن الإقليمي بأكملها. فالمفاوضات التي تستضيفها جنيف لا تدور حول بنود تقنية فحسب، بل حول شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، وحدود القوة والردع، وإمكانية الانتقال من حافة الهاوية إلى مساحة تفاهم مشروط.

المشهد الحالي يتسم بازدواجية واضحة؛ تصعيد عسكري محسوب يقابله انفتاح تفاوضي حذر. واشنطن تلوح بالقوة وتطالب بضمانات صارمة تكبح التخصيب، فيما تتمسك طهران بحقها في برنامج نووي سلمي مع رفع كامل للعقوبات. وبين الطرفين، تتحرك الوساطة العمانية في مساحة ضيقة، مدفوعة بإدراك أن أي تعثر قد يشعل المنطقة.

اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، يقرأ الجولة الجديدة من زاوية الردع المتبادل. يؤكد أن واشنطن لا تسعى إلى حرب شاملة بقدر ما تريد اتفاقًا يعيد ضبط الإيقاع النووي الإيراني ويمنع الوصول إلى عتبة السلاح. ويرى أن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي رسالة ضغط تفاوضي وليست إعلان نية اشتباك مباشر، موضحًا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تدرك تعقيدات الجغرافيا الإيرانية وتشابك ساحات المواجهة المحتملة. ويضيف أن إيران، رغم خطابها الحاد، تتعامل ببراغماتية واضحة؛ فهي تلوح بأوراقها الإقليمية لكنها تترك باب التسوية مفتوحًا، إدراكًا منها أن استمرار العقوبات يضغط على الداخل اقتصاديًا واجتماعيًا.

ويحذر السبكي من أن أخطر ما يهدد المسار الحالي ليس التصعيد العلني، بل غياب الثقة التاريخي، معتبرًا أن أي اتفاق لا يتضمن آليات رقابة دقيقة وضمانات تنفيذ مرحلية سيكون معرضًا للانهيار مع أول تغير سياسي في أي من العاصمتين. ويشدد على أن التخصيب داخل الأراضي الإيرانية سيظل العقدة المركزية، لأن واشنطن تنظر إليه من منظور أمني بحت، بينما تراه طهران عنوانًا للسيادة.

من جانبها، تتناول رشا فتحي، المحللة السياسية وأمين العمل الجماهيري بحزب مستقبل وطن، الملف من زاوية أوسع ترتبط بتوازنات الإقليم والتحولات الدولية. ترى أن المفاوضات الحالية تعكس إدراكًا أمريكيًا بأن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق هدفها النهائي، كما تعكس قناعة إيرانية بأن كسر العزلة الاقتصادية يتطلب مرونة محسوبة. وتؤكد أن طهران تحاول إعادة تعريف التفاوض ليشمل اعترافًا سياسيًا بدورها الإقليمي، لا مجرد قيود فنية على أجهزة الطرد المركزي.

وتشير رشا فتحي إلى أن أي اتفاق محتمل سيعيد تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية في المنطقة، خاصة في قطاع الطاقة، حيث قد تعود الشركات الغربية للاستثمار في السوق الإيراني بشروط جديدة. لكنها ترى أن إدراج ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي في سلة واحدة مع النووي يزيد من تعقيد المشهد، لأن إيران تعتبر هذه الملفات جزءًا من منظومة أمنها القومي غير القابلة للمساومة الكاملة.

وتلفت إلى أن الشارع في المنطقة يراقب بقلق، لأن الفشل لن يعني فقط تعثرًا دبلوماسيًا، بل احتمال انفجار عسكري ينعكس على أسعار الطاقة وأمن الملاحة واستقرار الدول المجاورة. وتؤكد أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة الوسطاء على إنتاج صيغة تدريجية، تبدأ باتفاق مرحلي يخفف التصعيد ويفتح الباب أمام تسوية أوسع.

وبين قراءة أمنية تركز على توازن الردع، وتحليل سياسي يربط المفاوضات بإعادة رسم النفوذ، تتضح صعوبة اللحظة الراهنة. جنيف ليست محطة عابرة، بل اختبار لإرادة الطرفين في الانتقال من منطق لي الأذرع إلى منطق المصالح المتبادلة. فإذا نجحت الجولة الثالثة في تضييق فجوة التخصيب ورفع العقوبات، قد تدخل المنطقة مرحلة هدوء نسبي. أما إذا تعثرت، فإن البدائل لن تكون سهلة، وسيجد الشرق الأوسط نفسه أمام فصل جديد من التوتر المفتوح، عنوانه غياب الثقة وتصاعد الحسابات العسكرية.

 

جنيف بين التسوية والانفجار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *