حين يتحول بيت الزوجية إلى مسرح جريمةالعنف الأسري بين الشهوة والشك وغياب الضمير

الدكتور إبراهيم أبوعيسي يكتب ✍
لم تعد حوادث القتل بين الزوجين وقائع فردية معزولة، بل باتت ظاهرة مقلقة تتكرر بأشكال مختلفة في المجتمع المصري، كاشفة عن خلل عميق في منظومة القيم، وسوء فهم خطير لمعنى الزواج، الذي شُرّع ليكون سكنًا ورحمة لا ساحة صراع وسفك دماء.
فبين زوج يقتل زوجته بدافع شك حقيقي أو وهمي، أو رغبة في فرض السيطرة، وبين زوجة تدفعها القسوة والإذلال إلى جريمة انتقامية أو هروب أخلاقي، يضيع جوهر العلاقة الزوجية، وتنهار أبسط معاني الإنسانية.
حادثة كريمة بالمنوفية.. مأساة تكشف المستور
من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام مؤخرًا، حادثة مقتل الشابة كريمة بمحافظة المنوفية، بعد تعرضها لعنف زوجي شديد، رغم حالتها الصحية الحرجة، ووجود نزيف أكد الأطباء معه ضرورة الامتناع عن العلاقة الزوجية..
لكن القسوة، وغياب الوعي، وتحويل الزوجة إلى مجرد أداة لإشباع شهوة، قاد إلى جريمة مروعة، تعكس كيف يمكن لسوء الفهم الديني والاجتماعي أن يتحول إلى سلاح قاتل، خاصة حين يُنزع عن العلاقة الزوجية بُعد الرحمة.
– الزواج في الميزان الإنساني والديني
في التصور الإسلامي، الزواج ميثاق غليظ، قائم على المودة والرحمة، لا على الإكراه أو الاستعلاء. فالقوامة التي منحها الشرع للرجل هي مسؤولية ورعاية، لا سلطة مطلقة ولا تفويضًا بالإيذاء.
كما أن النفس الإنسانية مصونة، لا يجوز الاعتداء عليها تحت أي مبرر، دينيًا كان أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا. فالعنف الأسري، حين يُبرَّر بالصبر أو “حق الزوج”، يتحول إلى جريمة مركبة: جريمة بحق الإنسان، وجريمة بحق القيم.
-لماذا تتكرر هذه الجرائم؟تشير الوقائع إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أبرزها:الجهل الديني وسوء تأويل النصوص ثقافة ذكورية تخلط بين الرجولة والقسوةاضطرابات نفسية غير مُعالجةضغوط اقتصادية وفشل في إدارة الخلاف صمت اجتماعي مريب تجاه العنف الأسري
وكلها عوامل تهيئ بيئة خصبة لانفجار العنف داخل أكثر العلاقات خصوصية.
مسؤولية لا تقبل التأجيل
التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على العقوبة وحدها، بل يتطلب تحركًا شاملًا يبدأ من: خطاب ديني يعيد الاعتبار للرحمة إعلام يتوقف عن تبرير الجريمة أو تطبيعها قوانين تحمي الضحايا بجديةتعليم يزرع ثقافة الحوار وضبط الغضب فالعنف الأسري ليس “شأنًا عائليًا خاصًا”، بل قضية أمن اجتماعي وأخلاقي..
كلمة أخيرة
حين يُختزل الزواج في شهوة، أو تُختصر القوامة في سيطرة، يصبح القتل نهاية متوقعة لمسار خاطئ منذ بدايته. فبيوت بلا رحمة، مصيرها الخراب، ومجتمع يتسامح مع العنف، يدفع الثمن دمًا وندمًا.الزواج سكن، لا سجن.والرجولة مسؤولية، لا بطش..
ومن لا يملك الرحمة، لا يملك الحق في السيطرة.
