“رمضان بالمصري ” – موائد الرحمن
الكاتب سمير أحمد القط يكتب
“مائدة الرحمن”.. هكذا أطلق المصريون عليها هذا الإسم ، وهو عمل تكافلى تطوعى وخيرى بالدرجة الاولى يعزز هذا الطقس على التراحم بين المسلمين، وقد انتشرت موائد الرحمن فى مصر فى السنوات الـ15 الأخيرة، وصارت متنفساً للفقراء يتناولون فيها طعامهم، وصارت ساحة تنافس محببة بين الأغنياء لتقديم ما لذ وطاب فى موائدهم، وهو تماماً ما قصده وأراده أحمد بن طولون عندما أقام أول مائدة رحمن فى مصر فى السنة الرابعة لولايته، حيث جمع القواد والتجار والأعيان على مائدة حافلة فى أول أيام رمضان وخطب فيهم “إننى لم أجمعكم حول هذه الأسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم فى حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، لكننى وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم فى رمضان، ولذلك فإننى آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم”.
ومع مرور الزمن اختفى طقس البر حتى عاد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، وأقام مائدة فى شهر رمضان يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء، وسميت “دار الفطرة”، ووصل طول بعضها إلى 175 متراً، ثم اكتفى المصريون فى العهد المملوكى ببعض المظاهر البسيطة التى لا تصل إلى ما سمى بعد ذلك “مائدة رحمن”، التى بدأت فى العودة مرة أخرى فى القرن العشرين تحت رعاية حكومية لبنك ناصر الاجتماعى، الذى كان يقيم مائدة بجوار الجامع الأزهر، يفطر عليها أربعة آلاف صائم من أموال دافعى الزكاة ، لكن مع الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات تراجعت موائد الرحمن، لتبقى نوعاً من التكافل البسيط بين أسر معينة، وبدأت المساجد أيضاً فى إعداد موائد الرحمن الخاصة بها، وتنافس الأشخاص فى معاونة المساجد، بينما كان الأكثر ثراءً يعدون موائدهم وحدهم وقد أصدرت جامعة الأزهر مؤخراً دراسة عن موائد الرحمن فى مصر، جاء فيها أن موائد الرحمن فى القاهرة بلغ عددها 21 ألف مائدة، وأكدت دراسة الأزهر أن المستفيدين من هذه الموائد بلغ عددهم 3 ملايين مواطن تقريباً.
وأصبح للموائد تصنيف يشبه تصنيف الفنادق، حيث احتلت الأحياء الشعبية موائد “نجمة واحدة “، أو “نجمتين” فى اشارة الى مدى ماتحتويه تلك الموائد من اطعمه فاخرة وخدمة فندقية ملموسة ، ومنها ماهو شائع فى مقدمته اللحم، مع التمر او العرقسوس الذى يفطر عليه الصائم فور الاذان وتشارك المساجد فى اعداد تلك الموائد ايضاً التى تتباين وتختلف من منطقة الى اخرى فيزيد فيها مقدار اللحم، مع بعض المساهمات المنزلية من صوانٍ واطباق وما شابه ذلك بالاضافة الى الحلويات من الكنافة والقطائف ، أما كبار الأثرياء، خاصة الفنانين منهم، فحدث بينهم نوع من التنافس لدرجة جلب الطعام من فنادق خمس نجوم بالفعل، بل يرتدى العاملون فيها قمصاناً تحمل اسم صاحب المائدة، وقد انتقلت موائد الرحمن لربوع مصر طوال ايام شهر رمضان فينما نراها فى المدن باشكال مختلفة يساهم فى اقامتها بعض الاغنياء والقادرين حيث تنصب وتشيّد بعض السرادقات الصغيرة طوال ايام الشهر الفضيل ومع اقتراب اذان المغرب يبدأ القائمين عليها فى توزيع اكياس التمر والمشروبات والتمور على سائقى المركبات وجلب العابريون للافطار على جانبى الطريق لتزيد من اواصر الود والمحبة بين جموع الشعب المصري وإلى لقاء آخر واقصوصة رمضانية من مصر

