الرئيسيةمحافظاتسلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه 
محافظات

سلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه 

سلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه 

سلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه 

كتبت : نعمة حسن 

كيف يصنع الصمتُ تاريخًا علميًا ناقصًا؟

العِلم لا يتقدّم بالاكتشافات وحدها.

يتقدّم—وبالقدر نفسه—بالأخطاء، بالمحاولات التي فشلت، بالفرضيات التي سقطت تحت المجهر.

لكن هذه الحقيقة البسيطة لا تظهر في الكتب، ولا في العناوين، ولا في السير الذاتية للعلماء.

هناك تاريخٌ كامل لم يُكتب.

في المختبرات حول العالم، تُجرى يوميًا آلاف التجارب.

القليل منها ينجح.

والأغلبية تفشل.

لكن حين يُفتح أرشيف النشر العلمي، يبدو المشهد معكوسًا: عالمٌ مليء بالنجاحات، نظريات تتقدّم بسلاسة، ومسار معرفي نظيف بلا عثرات.

هذه ليست صدفة.

اسمها في العلم: تحيّز النشر.

حين يقرّر النشرُ ما هو “العِلم”

المجلات العلمية المرموقة—بدافع السمعة والتأثير—تفضّل النتائج “الإيجابية”:

علاقة وُجدت، تأثير ثَبُت، فرضية نجحت.

أما النتائج السلبية—حيث لا علاقة، لا تأثير، لا نتيجة—فغالبًا تُدفن في الأدراج.

ليس لأنها بلا قيمة،

بل لأنها لا تصنع عنوانًا.

النتيجة؟

علمٌ يتقدّم وهو يجرّ وراءه ظلًا غير مرئي من الإخفاقات غير المُعلنة.

لماذا هذا خطير؟

لأن التجربة الفاشلة ليست فشلًا معرفيًا،

بل معلومة.

حين لا تُنشر النتائج السلبية:

يُعاد اختبار الفرضية نفسها في مختبرات مختلفة دون علم بالفشل السابق

تُهدر أموال عامة ووقت علمي

يُبنى توافق علمي زائف على جزء مبتور من الصورة

بل الأخطر:

تتشكل “حقائق” مؤقتة، لا لأنها صحيحة،

بل لأن ما يناقضها لم يُسمح له بالظهور.

العلم… والبشر

العلم نشاط إنساني.

والإنسان—مهما ادّعى الحياد—يتأثر بالمكافأة والعقاب.

النتائج الإيجابية:

تُنشر

تُستشهد

تُموَّل

تُرقّي أصحابها

أما الفشل؟

فهو صامت، غير مرئي، بلا حوافز.

هنا لا يكذب العِلم.

لكن المنظومة تميل.

هل يعترف العلم بالمشكلة؟

نعم.

وهذا ما يجعل القضية أخطر وأعمق.

في السنوات الأخيرة، دقّ علماء بارزون ناقوس الخطر، محذرين من أن تاريخًا علميًا كاملًا يُكتب بنصف القصة.

ظهرت دعوات لإطلاق مجلات مخصصة للنتائج السلبية، ولإجبار الشفافية في البيانات، ولإعادة تعريف “النجاح العلمي”.

لكن الطريق بطيء.

لأن الاعتراف بالفشل—حتى في العلم—ليس سهلًا.

لماذا يهمّك هذا كقارئ؟

لأنك حين تقرأ “أثبت العلم”،

قد لا تعلم كم تجربة قالت العكس… ولم تُنشر.

وحين تُبنى السياسات، والعلاجات، والتقنيات على هذا العلم،

فإن الصمت يصبح عاملًا خفيًا في اتخاذ القرار.

القضية ليست تشكيكًا في العلم،

بل دفاعًا عنه.

العلم الحقيقي لا يخاف من الخطأ.

بل يخاف من إخفائه.

الخلاصة

العلم لا يحتاج إلى أسطرة.

يحتاج إلى شجاعة.

شجاعة أن يقول:

جرّبنا… ولم ننجح.

اختبرنا… ولم نجد.

أخطأنا… وتعلّمنا.

لأن المعرفة التي تُولد من الصدق،

أقوى من ألف اكتشاف بُني على الصمت.

وإلى لقاء ..

وتحياتي .

سلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه

سلسلة .. ما لا يُقال في العِلم الذي يخجل من الاعتراف بأخطائه 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *