الرئيسيةمنوعاتعاشق الترحال وروح الاكتشاف
منوعات

عاشق الترحال وروح الاكتشاف

عاشق الترحال وروح الاكتشاف

هنا نابل /

✍️ بقلم المعز غني

وتستمر التغطية الإعلامية 

 

               يصنع الجاهل بنفسه ما لا يصنعه عدوّ بعدوّه…!

 

هناك أناس يلهثون وراء التجميل كما يُلاحَق السراب في صحراء العطش ، يظنّون أن السعادة تُحقن إبرةً في وجه ، وأن القَبول الإجتماعي يُفصَّل على مقاس الشفاه والخدود والأنوف ، وأن الجمال صناعةٌ تُشترى وتُستعار وتُبدَّل كالثياب. 

في زمنٍ صار فيه المرآة أكثر صدقًا من القلب عند البعض ، تحوّل الوجه من هوية إلى مشروع ، ومن ملامح وراثة إلى صفحة تعديل لا تعرف نهاية .

 

لم يعد التجميل ، عند كثيرين ، حالةً طبية ضرورةٌ لجرحٍ أو عيبٍ أو تشوّه ، بل صار سلوكًا إستعراضيًا ، وسباقًا محمومًا نحو نسخةٍ زائفة من الجمال تُصنَع في العيادات وتُعرَض على الشاشات وتُسوَّق بوهم الكمال ، كأن في العيون إتفاقًا سريًا على أن الطبيعي ناقص ، وأن الخلقة خطأ ينبغي تصحيحه ، وأن الله ـ جلّ في علاه ـ يحتاج إلى “ لمسة طبيب ” ليكتمل صنعه … ويا لجرأة الوهم حين يتزيّا بثوب الجرأة …!

 

وهنا ينطبق المثل القاسي بمرّه:

 “ يصنع الجاهل بنفسه ما لا يصنعه عدوّ بعدوّه .”

فالعدوّ إن أراد بنا سوءًا واجهنا وهزمنا أو جرحنا ، أمّا الجهل فإنه يُغري صاحبه بابتلاع الطُعم بنفسه ، وبإيذاء ذاته وهو يظنّ أنه يُحسِن إليها. 

الجهل لا يكسر العظام فقط ، بل يُكسِّر البصيرة ؛ لا يُشوّه الملامح فحسب ، بل يُشوّه المعاني ؛ يجعل القبح رأيًا ، والتشويه موضة ، والتقليد بطولة .

 

كم من وجهٍ كان فيه من السكينة ما يكفي ليكون لوحةً سماوية ، فحوّله الحقن إلى قناع جامد لا يبتسم إلا نصف إبتسامة ، ولا يبكي إلا بصمتٍ من [بوتوكس …! ] .

كم من عينٍ كانت تحكي تاريخ صاحبها فصارت تُحدّق بلا ذاكرة ، وكم من فمٍ كان يروي قصص الفرح فصار حوافَّ صمتٍ منبعجًا لا طعم له ولا لون.

 ليست المشكلة في الإبرة بقدر ما هي في الفكرة ، ليست في الطبيب بقدر ما هي في المريض من عقدة نقصٍ تُدار بعملة الإعجاب .

 

ثم جاءت وسائل التواصل الإجتماعي الفايسبوك تنفخ النار في الهشيم ؛ تصنع معايير وهمية ، وتبيع “ الفلتر ” على أنه حقيقة ، و

النسخة المُعدَّلة على أنها الأصل ، وتُقنع المراهقات أن القيمة في عدد القلوب لا في نبض القلب ، وأن الصورة أهم من السيرة ، وأن الملامح أهم من الأخلاق.

 فكبرت المرآة ، وصغر الإنسان .

 

وليس الجمال ـ واللهِ ـ في نفخ خدٍّ أو تصغير أنف ، أو تكبير صدر … ولا في تسوية جبينٍ ولا رسم حاجب ؛ الجمال في صدق نظرة ، في حياء إبتسامة ، في طهارة سريرة.

 الجمال في عينٍ لا تحسد ، وقلبٍ لا يحقد ، ولسانٍ لا يجرح . الجمال في سلامٍ مع الذات ، لا في حربٍ عليها بإسم 

“ التطوير ” .

 

ولن ننكر أن في التجميل جانبًا إنسانيًا رحيمًا حين يكون علاجًا ، ورحمةً حين يكون جبرًا لكسرٍ أو سترًا لجرحٍ. 

لكن المأساة حين يتحوّل من دواء إلى إدمان ، ومن تصحيحٍ إلى مسخة، ومن ضرورة إلى تجارة أحلام على حساب النفس . عندها لا يعود الوجه وجهًا ، بل يصبح إعلانًا .

 

يا بنات هذا الزمان :

لا تُقايِسْنَ قيمتكنَّ بمِسْطرة ملامح ، ولا تُسَلِّمْنَ وجوهكنّ لمشرط الموضة ، وجوهكنّ شهادات ميلاد ، لا حقائب سفر تُغيَّر كل موسم. كونوا جميلات بطبيعتكنّ ، فالطبيعي لا يَبور ، والزائف يذبل سريعًا .

 

ويا من تُلاحقون التجميل :

تذكّروا أنكم وحدكم من تعيشون في هذه الوجوه ، لا الجمهور ولا المتابعون. 

فإما أن تُحبّوا وجوهكم كما خلقها الله فتعيشوا في سلام ، أو تُرهقوها بالتجارب فتعيشوا في مطاردتها حتى التعب .

 

في الختام :

ليس كل ما يلمع ذهبًا ، ولا كل ما يُحقن جمالًا .

والأجدر بنا أن نُجمِّل أرواحنا قبل وجوهنا ، وأن نداوي أفكارنا قبل خدودنا أو صدورنا ، وأن نُصلِح علاقتنا بذواتنا قبل أن نُصلِح أنوفنا .

 

فالجاهل قد يُؤذي نفسه أكثر مما يفعل به خصمه …

وأبشع عداوة : أن يكون الإنسان سكين نفسه .

هنا نابل 

بقلم المعز غني

عاشق الترحال وروح الاكتشاف

عاشق الترحال وروح الاكتشافعاشق الترحال وروح الاكتشاف

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *