الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في ذكرى ميلاد عايدة رياض، لا نحتفل بعام جديد من حياتها فقط، بل نحتفل بمسيرة فنية استثنائية تجاوزت حدود الأداء على الشاشة أو خشبة المسرح، لتصبح حالة وجودية كاملة، حضورها يحمل ثقلًا لا يعرف التساهل أو التقليد، فهي لم تكن مجرد ممثلة تتكرر في الأدوار الجاهزة أو تتسابق مع الزمن، بل كانت دائمًا المبادرة الأولى في استكشاف الإنسان من الداخل، وفهمه ليس فقط من خلال ما يفعله، بل من خلال ما يشعر به وما يخفيه وما يعرضه، كل شخصية قدمتها كانت مختبرًا لتجربة إنسانية جديدة، وكل مشهد تحركت فيه كان دعوة صامتة للمشاهد للتفكر والتفاعل، وليس مجرد المتعة العابرة.
منذ بداياتها الفنية، أثبتت عايدة رياض أنها ليست نجمة شابة تبحث عن الشهرة السهلة أو الأدوار المريحة، بل فنانة تختار الطريق الأصعب، الطريق الذي يتطلب وعيًا وإدراكًا لكل خطوة في الأداء، كل دور اختارته كان فرصة لإعادة تعريف نفسها، وللارتقاء بمستوى المشهد الفني الذي يقدمه المجتمع، سواء أكانت تقدم شخصية امرأة قوية تواجه الحياة بصمود، أو شخصية هشة تتصارع مع الظروف، أو شخصية كوميدية تُلقي الضوء على نفاق المجتمع، كانت دائمًا قادرة على خلق مساحة صادقة تجعل كل حركة ونظرة وكلمة جزءًا من سردية أكبر، سردية تحاكي الصراع الإنساني في أعمق أشكاله.
الفلسفة في أداء عايدة رياض تتجلى في قدرتها على أن تجعل الشخصية امتدادًا لوجودها الفني، فالصوت والحركة والتوقفات والصمت أحيانًا كل شيء يُوظف لتوصيل معنى أعمق، المعنى الذي يتجاوز السيناريو ويصبح انعكاسًا للواقع، تجربة تجعلنا نفكر في القيم الإنسانية وفي الصراع بين الحلم والواقع، بين القوة والضعف، بين الخيانة والوفاء، هذه القدرة النادرة على تحويل المشهد الفني إلى تجربة وجدانية حقيقية تجعلها ليست مجرد ممثلة، بل حالة فنية كاملة، وفنّها بهذا المعنى يدرس ويحلل ويُحترم لأنه يفرض على المتلقي المشاركة الذهنية والعاطفية مع كل ما يحدث على الشاشة.
النجاحات التي حققتها عايدة رياض ليست مجرد حصاد أرقام أو جوائز، بل تجليات لفهمها العميق للفن كحياة، فكل دور جديد كانت تجده فرصة لتجديد نفسها، لم تُكرر نفسها، ولم تقدم نسخة مطابقة لأي تجربة سابقة، بل استطاعت أن تجعل كل ظهور فني حدثًا قائمًا بذاته، جمهورها يقدرها ليس فقط على أساس الشهرة، بل على الالتزام بالفن، على القدرة على التطوير المستمر وعلى فهم أن كل دور يقدم رسالة، وأن كل شخصية تُقدّم بمصداقية تؤسس لتجربة إنسانية لا تُنسى.
إذا تحدثنا عن النقد الفني، نجد أن عايدة رياض تجاوزت قيود الأدوار النمطية، قدمت الكوميديا والتراجيديا والدراما الاجتماعية والسياسية، وانتقلت بين الشخصيات بطريقة تجعل كل تجربة مختلفة، لا تُحاكي أحدًا ولا تتأثر بموجات الشهرة أو الصخب الفني، فالأداء لديها ليس استعراضًا بل دراسة متعمقة للشخصية والمجتمع، وكل مشهد يُقدّم رسالة مزدوجة، رسالة فنية ورسالة فلسفية، تجعل المتلقي يعيد النظر في الحياة والاختيارات والذات، وهو ما يجعل أعمالها مادة خصبة للنقد والتحليل، وليست مجرد مشاهدة عابرة.
التأثير الذي تركته عايدة رياض على الجمهور تجاوز حدود الشاشة، فهي أصبحت مرجعًا ثقافيًا وفنيًا، شخصية تلهم وتطرح تساؤلات حول الأخلاق والعلاقات الإنسانية والقوة والضعف والتضحيات والطموح، وكل عمل تقدمه يصبح تجربة قائمة بذاتها، تجربة تجبرنا على التفكير في الخطوات الأولى في حياتنا، في القرارات التي شكّلتنا، في البدايات التي لا تُنسى، وفي القيم التي تبقى ثابتة رغم تقلبات الزمن، وبهذا المعنى، ميلادها ليس مناسبة عابرة للاحتفال، بل لحظة للتأمل في رحلة فنية وإنسانية كاملة، رحلة أثبتت أن النجومية الحقيقية لا تقاس بالشهرة، بل بالأثر الذي يتركه الفنان في الوعي الجمعي، وبالفعل، أثر عايدة رياض واضح لا يُمحى، كل نظرة، كل همسة، كل أداء كان شهادة على عبقرية فنية نادرة، تجعلها أسطورة حية في تاريخ الفن المصري، وتجعل من عيد ميلادها مناسبة للاحتفال بالوفاء للفن، بالالتزام، وبالإبداع المستمر، وبأن بعض الفنانين لا يشيخون، لا لأنهم خالدون جسديًا، بل لأن حضورهم الفني والفلسفي يظل محفورًا في وجدان الناس.
عندما نراجع أعظم الأعمال التي قدمتها، نلاحظ مدى تنوع شخصياتها، فهي استطاعت أن تنتقل بين الشخصيات الاجتماعية الصعبة، والمجتمعية المعقدة، والدراما النفسية العميقة، والكوميديا الذكية، بمهارة تجعل كل أداء جديد يشكل تحديًا جديدًا للفنانة نفسها وللمتلقّي معًا، هذه القدرة على التجديد المستمر دون أن تفقد الجوهر هي ما جعل أعمالها تُدرس وتُحلل وتظل علامة فارقة في تاريخ الفن، وليس مجرد أعمال تُشاهد ثم تُنسى، فجمهورها اليوم يحتفل بها ليس كنجمة فقط، بل كرمز للفن الذي يُحترم، للفن الذي يُحفظ، وللفن الذي يترك أثرًا خالدًا في الزمن.
وفي النهاية، ذكرى ميلاد عايدة رياض هي أكثر من مناسبة سنوية، هي دعوة لإعادة النظر في قيمة الفن، في معنى الأداء، في القدرة على تحويل كل لحظة على الشاشة إلى تجربة إنسانية حقيقية، ولأنها استطاعت أن تجعل من فنها مرآة للواقع والوجدان والفلسفة، فإن الاحتفال بها ليس فقط بالتهاني، بل بالاعتراف بأن بعض الفنانين لا يُنسون أبدًا، وأن بعض الأساطير تظل حية، كلما تذكرنا أن الفن الحقيقي هو الذي يخلد، وأن حضور عايدة رياض هو دليل حي على أن الأسطورة لا تموت، بل تزداد إشراقًا مع مرور الزمن، وأن ذكرى ميلادها هي مناسبة لكل محبي الفن الذين يعرفون قيمة الأداء الحقيقي والفلسفة الحقيقية وراء كل دور وكل مشهد وكل لحظة قدمتها.

