لابد للحدود من تنفيذ وللشريعة من تطبيق
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، فقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز “إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما” وقد تعب يوما من كثرة العمل فقيل له لو أجلت هذا إلى غد؟ فقال إني ليعييني عمل يوم واحد فكيف بعمل يومين؟ وقال الحسن لقد أدركت أقواما كانوا أحرص على أوقاتهم منكم على دراهمكم ودنانيركم، وقال رجل لعامر بن قيس قف أكلمك، قال لولا أني أبادر لكلمتك قال وماذا تبادر؟ قال أبادر طلوع روحي، وصدق رحمه الله فإن الوقت لا يقف محايدا أبدا فهو إما صديق ودود ينفعك ويسرك، وإما عدو لدود يحزنك ويضرك فيقول الله تعالي في سورة آل عمران ” يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير” وقيل قالت رابعة لسفيان.
” يا سفيان إنما أنت أيام فإذا مضى يوم مضى بعضك” فإنا لنفرح بالأيام نقطعها، وكل يوم مضى يدني من الأجل، وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه ” ولقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدود على الجناة، فقتل القاتل ورجم الزاني والزانية وقطع يد السارق وجلد، ومع ذلك فهو أرحم الناس بالناس لكنها حدود الله ولابد للحدود من تنفيذ وللشريعة من تطبيق، وكان هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الأسرى أكمل هدي وأحسنه وأجل خلق وأكمله فكان كله رفقا ورحمة وعطفا وشفقه، ويوم بدر لما أسر المسلمون سبعين من المشركين، فكانت المعاملة غاية في إحترام حقوق الإنسان وقد إستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في كيفية التعامل مع الأسرى فكانت مداولات ومشاورات.
فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ” لما كان يوم بدر، هزم الله عز وجل المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، فإستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلي وعمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام فيكونون لنا عضدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب ؟ قال قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر رضي الله عنه، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريبا لعمر فأضرب عنقه، وتمكن علي رضي لله عنه من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهوي ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة، وأنزل الله عز وجل ” ما كان لنبي أن يكون له أسري حتي يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم” ثم أحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
عن النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، والله جل وعلا أمرنا بخوفه ومدح الخائفين في كتابه فقال تعالى “إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين” وقال ابن سعدي رحمه الله “وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله تعالي وحده وأنه من لوازم الإيمان فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفهم من الله” وقال جل شأنه “وإياي فارهبون” والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى ” فلا تخشوا الناس واخشون” وقال ابن سعدي أمر الله بخشية الله التي هي رأس كل خير فمن لم يخشي الله لم ينكفّ عن معصته ولم يمتثل أمره”.

