كتب ضاحى عمار
وسط تصاعد التوترات في الإقليم، بدأت رواية جديدة تتشكل حول ما يجري خلف الكواليس، رواية تتحدث عن صراع استخباراتي معقد يتجاوز حدود المواجهات العسكرية التقليدية، ويعتمد على أدوات أكثر دهاءً لإشعال المنطقة دون ظهور الفاعل الحقيقي.
خلال الأيام الماضية، برزت تصريحات صادرة عن جهات عسكرية إيرانية تشير إلى احتمال وجود عمليات تضليل عسكري واسعة النطاق. هذه التصريحات تحدثت عن استخدام طائرات مسيّرة تشبه إلى حد كبير الطائرات الإيرانية المعروفة باسم شاهد، وهو ما اعتبرته طهران محاولة لخلق انطباع بأن الهجمات التي تقع في بعض دول المنطقة تقف خلفها إيران بشكل مباشر.
وتقول مصادر عسكرية إيرانية إن ما يجري قد يكون جزءًا من عملية علم مزيف، وهو مصطلح يُستخدم في الأدبيات الأمنية لوصف عمليات تُنفذ بطريقة توحي بأن جهة معينة هي المسؤولة عنها، بينما تكون الحقيقة مختلفة تمامًا. ووفقًا لهذه الرواية، فإن نسخًا مشابهة من الطائرات الإيرانية قد تكون استُخدمت في تنفيذ ضربات داخل عدد من دول الشرق الأوسط، بهدف دفع تلك الدول للاعتقاد بأنها تتعرض لهجمات إيرانية.
الهدف من هذا السيناريو وفق التحليل الإيراني يتمثل في دفع المنطقة إلى مواجهة واسعة مع طهران دون الدخول في حرب مباشرة معها منذ البداية. فالهجمات، إذا نُسبت لإيران، يمكن أن تولد ضغوطًا سياسية وشعبية داخل الدول المستهدفة، ما قد يدفع حكوماتها إلى اتخاذ مواقف أكثر تصعيدًا.
وفي سياق متصل، صدرت تصريحات لوزير الخارجية الإيراني تحدث فيها عن معلومات تفيد بأن بعض الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت حساسة داخل إيران ربما انطلقت من مواقع قريبة في منطقة الخليج. هذه التصريحات أثارت جدلًا واسعًا، خاصة أنها ألمحت إلى احتمال استخدام منصات صاروخية بعيدة المدى لتنفيذ الضربات.
وبحسب تلك التصريحات، فإن الصواريخ التي استهدفت منشآت إيرانية ربما أطلقت من مواقع خارج الأراضي الإيرانية، وهو ما اعتبرته طهران مؤشرًا على أن المواجهة قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع إذا استمر هذا النمط من العمليات.
اللافت في المشهد أن العديد من دول الخليج لم تتجه حتى الآن إلى مواقف تصعيدية حادة تجاه إيران، بل تمسكت في معظم تصريحاتها الرسمية بنبرة حذرة تدعو إلى التهدئة وتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. ويرى مراقبون أن هذا الحذر قد يعكس إدراكًا لدى بعض العواصم الخليجية لتعقيد المشهد واحتمال وجود أطراف تسعى إلى جر المنطقة إلى صراع أوسع.
كما حذرت جهات عسكرية إيرانية من أن استمرار استهداف أراضيها قد يدفعها إلى الرد على مصادر إطلاق الهجمات، أينما كانت. ووجهت هذه الجهات تحذيرات غير مباشرة بضرورة ابتعاد المدنيين عن المواقع التي تضم وجودًا عسكريًا أجنبيًا، في إشارة إلى أن تلك المواقع قد تتحول إلى أهداف محتملة في حال تصاعد المواجهة.
ويرى خبراء في الشؤون الإستراتيجية أن ما يجري يعكس طبيعة الصراعات الحديثة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الحروب تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل أصبحت الاستخبارات والتقنيات العسكرية غير المعلنة جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع.
ويشير محللون إلى أن المنطقة مرت في تاريخها بعدة لحظات مشابهة، حين جرى استخدام المعلومات أو العمليات السرية لتبرير تحركات عسكرية أو سياسية لاحقة. غير أن الفارق اليوم يتمثل في سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل، ما يجعل من الصعب احتكار الرواية أو السيطرة الكاملة على تفسير الأحداث.
وبين الروايات المتضاربة والاتهامات المتبادلة، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل ما يجري مجرد حرب بيانات بين أطراف متصارعة، أم أن الشرق الأوسط يقف بالفعل على أعتاب واحدة من أكثر الألعاب الاستخباراتية تعقيدًا في تاريخه الحديث؟
الإجابة قد تتضح مع مرور الوقت، لكن المؤكد أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي شرارة صغيرة أن تعيد رسم خريطة التوازنات بالكامل.


