لو أن أرزاق الناس وآجالهم بيد البشر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية أنه جلس إبراهيم بن ادهم رحمه الله يوما ووضع بين يديه بعضا من قطع اللحم المشوي فجاءت قطة فخطفت قطعة من اللحم وهربت، فقام وراءها واخذ يراقبها فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم في مكان مهجور أمام جحر في باطن الأرض وانصرفت فازداد عجبه وظل يراقب الموقف بإهتمام وفجأة خرج ثعبان أعمى فقأت عيناه يخرج من الجحر في باطن الأرض ويجر قطعة اللحم إلى داخل الجحر مرة أخرى، فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقال سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضا، وقيل للحسن البصري ما سر زهدك في الدنيا؟ فقال علمت بأن رزقي لن يأخذه غيري فأطمأن قلبي له، وعلمت بأن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن أقابله على معصية، وعلمت أن الموت ينتظرني.
فأعددت الزاد للقاء الله تعالي، أرأيتم لو أن أرزاق الناس وآجالهم بيد بشر منهم، فكم يحصل في الأرض من الظلم والبغي والفساد؟ ما ترك الله تعالى ذلك للخلق، ولو ترك إليهم إذن لظلم بعضهم بعضا، ونسي بعضهم بعضا، وغفل بعضهم عن بعض، فأرزاق الناس وآجالهم بيد من لا يظلم ولا ينسى ولا يغفل، جلّ ثناؤه، وتقدست أسماؤه، سبحانه وبحمده، وإن الآجال والأرزاق مكتوبة ومحسوبة وكما أن الأرزاق والآجال لا تأتي إلا من عند الله تعالى وحده فإنها كذلك مكتوبة ومحسوبة ومحدودة ومعدودة، وروى الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، قال “إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات برزقة وأجلة وشقي أو سعيد ” رواه البخاري ومسلم.
وفي لفظ آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه “أن الملك يسأل الله تعالي فيقول يا رب، ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب، أجله؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتبه الملك، ثم يقول يا رب، رزقه؟ فيقضي ربك ما يشاء، فيأخذ الملك بالصحيفة في يده، فلا يزاد في أمر ولا ينقص” رواه مسلم وأحمد، فقضية الآجال والأرزاق محسومة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها، ولن يموت حيّ حتى يستكمل ما له من رزق، وما له من عمر، وبناء على تدبير الحكيم الخبير لخلقه، وقسمته لأرزاقهم، وضربه لآجالهم فإن الخلق متفاوتون في الرزق وفي الأجل وفي العمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “الناس أربعة، والأعمال ستة موجبتان، ومثل بمثل، وحسنة بعشر أمثالها، وحسنة بسبع مئة ضعف، والناس موسّع عليه في الدنيا والآخرة، وموسّع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة،
ومقتور عليه في الدنيا موسّع عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا والآخرة، وشقي في الدنيا وشقي في الآخرة” رواه أحمد، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله دائما حسن الخاتمة كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم ” اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب وأسألك القصد في الغنى والفقر وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين” رواه النسائي وأحمد، فاشتغل أيها العبد بما أنت مخلوق له ولا تنشغل بما خُلق لك فما قدر على فكيك أن يمضغاه فلسوف يمضغاه وما قدر لك من أجل لن ينقص ولن يزيد لأن ربك فعال لما يريد.
