معرض الكتاب صناعة وعي أم تجارة ورق الممر مئة وأربعه
بقلم / محمد جابر
يثور في كل ممر ثقافي سؤال هل ما زال هناك من يقرأ أم أن معارض الكتب تحولت إلى مهرجانات شكلية ورحلات ترفيهية ومجاملات متبادلة أكثر منها منصات جادة لصناعة الوعي والمعرفة
لا يمكن إنكار أن معرض الكتاب في جوهره فكر وافر فوجد ليكون فضاء حيوي لتداول المعرفة وجسر ثقافي بين الكاتب والقارئ ومؤشر على نبضها غير أن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة مؤلمة إذ يبدو أن هذا الحدث الثقافي الكبير قد انزاح في كثير من الأحيان عن مساره داخل الممر وعن رسالته الأصلية ليقع في فخ الاستعراض الاجتماعي والتجاري
فالرحلات الجماعية التي تنظم إلى المعارض رغم ظاهرها الثقافي الا انها تتحول إلى نشاط ترفيهي خالي من أي تفاعل معرفي وها نحن نري التقاط الصور بجوار المؤلفات وتباهي البعض بأنه عندما يلتقط صورة لنفسه داخل المعرض أصبح الاديب الأريب والروائي العالمي والمثقف الذي تطبع صورته علي صرح العلم والثقافة فالاغلبيه تتجول بين الأجنحة ثم تغادر دون أن تترك أثر يذكر على مستوى الوعي أو التفكير وهكذا يتحول الكتاب من أداة بناء عقل إلى مجرد ديكور في مشهد عام يفتقر إلى العمق
أما دور النشر فليست جميعها بالطبع في موضع الاتهام غير أن قطاع كبير منها بات يتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة سريعة التداول لا مشروع فكري طويل الأمد فالمعيار لم يعد هو القيمة المعرفية أو الجديه الفكرية بل سهولة التسويق وكثرة المبيعات والقدرة على استقطاب جمهور عريض ولو على حساب العمق وهنا تظهر كتب تطبع لا لأنها تضيف شيئ إلى الوعي بل لأنها تواكب موضة فكرية أو تيار عاطفي عابر
وتكمن الأزمة الحقيقية في نوعية ما يقدم من محتوى فجزء كبير جدا من الإصدارات يدور في فلك اللاشيء عناوين براقة ولغة منمقة ومضامين فارغة لا تسهم في بناء عقل نقدي ولا تنتج وعي تاريخي أو حضاري أو معرفي رصين إنها كتب تملأ الفراغ ولا تملأ العقل ترضي الذائقة الهوائية السطحية ولا توقظ الضمير الفكري ولا تحرك ساكن لمن يمتلك البصيره
والسؤال هل يرتقي هذا الممر إلى مستوى الفكر الواعي الإجابة المؤلمة ليس بالقدر المأمول فالفكر الواعي لا يقاس بعدد الزوار ولا بحجم المبيعات بل بقدرته على إحداث تحول في طريقة التفكير وعلى إيقاظ الأسئلة المسكوت عنها ولو بالأسقاط وعلى تحفيز العقل على الشك والتحليل والنقد
إن أزمة معرض الكتاب ليست أزمة تنظيم أو دعاية بل أزمة فلسفة ثقافية نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى القراءة ودور الكتاب ووظيفة النشر بحيث تعود الثقافة إلى موقعها الطبيعي كقوة تغيير لا كمنتج استهلاكي فالممرات لا تبنى بالصور التذكارية ولا بالرحلات الموسمية بل تبنى بعقول قارئة وضمائر واعية ومشروعات فكرية عميقة
ومؤسسات تدعم الهوية
وفي نهاية الممر ليس المطلوب إدانة المعرض ولا التشكك في جدوى الكتاب بل استعادة المعنى المفقود أن يكون الكتاب فعل يقام اضمحلال وأن يكون المعرض مساحة وعي لا سوق تحقيق المبيعات وأن يكون النشر رسالة قبل أن يكون صفقة فبدون ذلك سنظل نحتفل بالكتاب ودور النشر بينما نبتعد عن القراءة
لقد شهد الممر لحظة كان فيها الكتاب مشروع تغيير لا منتج للمستهلك حيث لم تكن الكتب تنشر لتباع بل لتحدث التغيير في طريقة التفكير. أما الآن فقد انقلب المشهد تباع الكتب بينما يتراجع أثرها في تشكيل الوعي في مفارقة تفضح أزمة الثقافة
معرض الكتاب صناعة وعي أم تجارة ورق الممر مئة وأربعه


