مهابة المنصب ومرآة الإلغاء “منصب رئيس الوزراء أنموذجاً”
بقلم د.منتصر الحسناوي
عندما نصادف موظفاً منضبطاً أو رجلَ مرورٍ متعاوناً أو شرطياً يحترم عمله، نميل إلى وصفه بأنه فرداً جيّداً يُحسب له سلوكه ويُنسب أداؤه الإيجابي إلى اجتهاده الشخصي.
وعندما يحدث العكس، أي عندما يصدر فعلٌ سيّئ من موظفٍ ما، يتّسع الحكم سريعاً ليشمل الحكومة أو القيادة أو الدولة بأكملها، وفق منطق راسخ في الوعي الجمعي يقوم على أن “الخير يُخصّ والشّر يَعم”.
هذا المنطق ليس وليد اللحظة وله شواهد تاريخية سبقت الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، غير أنّ الإعلام الحديث ضاعف حضوره، وجعله أكثر سرعةً وحدّة، حتى بات المنصب العام مرآة تُسقَط عليها تفاصيل صغيرة، وتُحمَّل ما يتجاوز حدودها المباشرة، بقصدٍ أو من دونه، عبر حلقات متداخلة تبدأ بحدثٍ يوميٍ قابل للتأويل، ثم تمرّ بمنصّة تبحث عن التفاعل وتنتهي بخطابٍ سياسي أو إعلامي يجد في التضخيم أداة ضغط.
عند هذا التقاطع يتحوّل الخبر من معلومة إلى موقف ويَحمله العقل الجمعي مادة لإصدار الأحكام النهائية.
في السنوات الأخيرة، بدا المشهد السياسي العراقي أكثر حساسية تجاه كل رمزٍ يتقدّم الواجهة، ولا سيما منصب رئيس الوزراء الذي تحوّل إلى مساحة واسعة للتأويل والمراقبة والجدل وكثير من ” الإلغاء”
هذا الموقع بطبيعته، يجمع بين ثلاثة مسارات متداخلة: سلطة تنفيذية محورية للدولة، ومرحلة داخلية تبحث عن ترميم الثقة، وبيئة إقليمية متغيّرة تحتاج إلى قراءة متأنية وحسابات دقيقة.
وفي هذا السياق، يصبح كل قرار عرضة للتأويل، وكل تأخير موضع شك، وكل إخفاق جزئي دليلاً على خللٍ شامل، حتى قبل فحص الشروط التي أُنتج ضمنها القرار.
من البديهي أن الأداء التنفيذي ليس بمنأى عن الخطأ، ولا يمكن لأي قرار أن يحتل موضعه الأمثل دائماً، فطبيعة المراحل الانتقالية تحمل تعقيدات تُنتج أحياناً قرارات ناقصة أو متأخرة.
غير أنّ النقد يفقد قيمته عندما يُختزل في التشكيك بالموقع أو بالشخص، بدلاً من تفكيك القرار نفسه وفهم سياقه الموضوعي ومساءلة أدواته وبدائله الممكنة.
هذه المسارات تلاقت مع مجتمعٍ متأثر بعالمٍ رقمي سريع الحكم، ومع ثقافةٍ تعتمد “الإلغاء” وسيلة جاهزة للنقد.
تتشكل الأحكام على هيئة موجاتٍ متلاحقة يغذّيها التنافس الإعلامي وتباين الرؤى، وتتعامل مع الحدث اليومي كخلاصة نهائية، وتضغط على الزمن ليحسم ما يحتاج إلى تراكم وقراءة هادئة.
من ذلك يمكن فهم غضب شريحة من الرأي العام ترى في بطء بعض الملفات دليلاً على ضعف الإرادة، أو تقارن الواقع العراقي بصورٍ مثالية لدولٍ مستقرة منذ عشرات السنين.
هذا الغضب مشروع بوصفه شعوراً، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحوّل إلى حكمٍ شامل يتجاهل اختلاف السياقات وتعقيد المسارات.
يتجلّى هذا الأسلوب في يوميات العمل التنفيذي، وفي مشاريع البنى التحتية والصناعية والتراثية والثقافية، التي تُعد ركائز في منظومة التنمية، لكنها كثيراً ما تُقرأ خارج سياقها الزمني والتنفيذي، فتتحوّل من مادة تقييم إلى أداة إلغاء تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
حادثٌ خدمي محدود قد يتحوّل دليلاً على فشل الدولة بأكملها، وسياسة زراعية تواجه التصحّر وشحّ المياه والتغيّر المناخي تُقاس بمعايير تاريخية لم تعد شروطها البيئية متاحة، ويُطالَب الملف المائي بحلولٍ سحرية، ثم يُواجَه أي اتفاق بقراءات متناقضة تتهمه بالتقصير أو الخضوع.
وفي العلاقة مع القوى السياسية يظهر شكلٌ آخر من الإلغاء، إذ تُقرأ كل خطوة بما يناسب الجهة التي تراقبها.
الدعم يُفسَّر خضوعاً، وعدم المبادرة يُقدَّم خروجاً على التفاهمات، واللقاءات الدبلوماسية تنتقل من سياقها الطبيعي إلى ساحات التأويل، فتُوصَف تارةً بالعمالة وأخرى بالتدخل فيما لا يعنينا، بما يقلّل من أثر المبادرات ويضع الموقع التنفيذي في موضع دفاع دائم.
ويمتد هذا الضغط إلى ملفات الرواتب والتعيينات، التي تُدرج في دائرة الاتهام المباشر، تارةً بالقصور وأخرى بالإفراط، رغم ارتباطها بتراكم سياسات سابقة، وقرارات تشريعية، ونموّ سكاني، وتعقيدات اقتصادية محلية وعالمية أثّرت في دولٍ عديدة، لا في العراق وحده.0
ومع اتّساع هذا المناخ، يتجاوز الخطاب الإلغائي حدود الأداء العام ليطال الحياة الشخصية والبيئة الاجتماعية لمن يتولى الموقع، فيتحوّل الخاص إلى أداة عامة، ويغدو التاريخ الشخصي بديلاً عن مناقشة القرار التنفيذي.
عند هذا المستوى، تتضخّم التفاصيل الصغيرة، وتتحوّل إلى قضايا رأي عام أكبر من حجمها، وتتداولها وسائل إعلام محلية ودولية كمؤشراتٍ سياسية.
في هذا السياق يصبح التفريق ضرورياً بين المساءلة والإلغاء.
فالأولى تُصلح الدولة، والثانية تستنزفها.
إنّ التعامل مع الموقع التنفيذي الأعلى بوصفه هدفاً دائماً للإلغاء يفتح باباً بالغ الحساسية، لأن التشكيك بالموقع ينعكس سلباً على المؤسسة نفسها، ويؤثر في صورة الدولة وقدرتها على الفعل أمام المجتمع الدولي
ومن هنا تأتي أهمية قراءة ثقافة الإلغاء لفهم كيف تتشكّل الموجات التي تُضعف المنصب قبل أن تُضعف شاغله، وكيف يتحوّل الحدث البسيط إلى جزء من معركة أوسع حول معنى الدولة وحدود حضورها.
هذه القراءة لا تعترض على المساءلة، بل تؤكد ضرورتها، لكنها تدعو إلى علاقة تحافظ على مهابة الموقع، وتمنح النقد دوره الطبيعي في الرقابة دون إقصاء، وفي المحاسبة دون تهشيم.
فالدولة التي تُستنزف رموزها يومياً تحت ضغط “الإلغاء” تُدار لاحقاً بمنطق الخوف لا القرار، وبمنطق تجنّب الضجيج لا صناعة الأثر، وعندها يخسر الجميع: السلطة والمجتمع ومعنى الدولة نفسه .
مهابة المنصب ومرآة الإلغاء “منصب رئيس الوزراء أنموذجاً”


