نتائج التربية الإلكترونية الحديثة
بقلم ـ محمـــد الدكـــروري
الحمد لله أحاط بكل شيء خبرا، وجعل لكل شيء قدرا، وأسبغ على الخلائق من حفظه سترا، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة عذرا ونذرا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، أخلد الله لهم ذكرا وأعظم لهم أجرا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين ثم اما بعد، عباد الله إن مشية الرجل مطأطأ الرأس، وامرأته بغاية التبرّج، وعندما تنكر عليه هذا الأمر فإنه يقول لك أنا كلمتها يا شيخ، كلمها أنت، فما هذا الضعف ؟ وما هذا الخور ؟ فأين الرجولة عندما يترك الرجل زوجته تعرض لون الجلد على الصائغ، وعلى غيره من صاحب الإكسسوارات والملابس، ليختار اللون المناسب لبشرتها ؟ فإذا كان زوج وزوجه في العصر العباسي.
لما تقدم للشكاية، طالبته بخمسمائة دينار من صداقها، فأنكر الزوج فجاءت الشهود، فطلب القاضي من المرأة أن تكشف وجهها للشهود ليعرفوا أنها فلانة، فقال الزوج كفى يا شيخ، ورغض أن تكشف وجهها رغم أنه طلقها، وقال أعطيها المهر كله، لأنه غار أن تكشف المرأة للشهود في مجلس القضاء، في شيئ يجوز النظر إليه، في حال الإضطرار، ولكن لماذا يحدث هذا ؟ فإنه من كثرة الذنوب والمعاصي، وقال الإمام ابن القيم من عواقب المعاصي أن تطفئ في القلب نار الغيّرة، ولماذا يحدث هذا ؟ هو إنسياق وراء العواطف فإذا عرف، وقيل له أو رأى من بعض أهل بيته ما لا يرضاه الشرع لأن، والتمس الأعذار والتمس المخارج وغضّ الطرف، ولماذا قلة الغيّرة وإنتشار المنكرات ؟ هو من سوء التربية حيث يتربى الصغير وينشأ.
وهو يرى أمه تخرج بلا ضوابط شرعية، وأبوه لا يغير، وأخته تفعل ما شاءت وأبوه لا يمنع، وتأثر بحياة الغرب ونقدم اليوم سيدات المجتمع اللاتي يقلن، ونحن من المهتمات بالسفر والتنقل من بلد وآخر للتعرف على الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، والبرامج ما قصّرت، والقنوات الفضائحية، ومناظر العريّ، ودعاة الفتنة وأعداء الفضيلة، وإلى من نشكو وإلى من نلجأ ؟ والله لا ملجأ إلا الله ولا ملجأ إلا إلى الله وهذه أعراض وهذا دين وهذه أعراضنا، وإن قضية برجس التي تناقلها في يوم واحد فقط بحسب إحصائية غير رسمية ما يقرب من نصف مليون شخص وإن مثلت الجريمة الأولى من نوعها تتمثل في ظهور منعطف سيء لولادة خُلق سيء بذيء، إلا أنها ليست وحدها ما نشر في المواقع الإلكترونية وفي رسائل الهواتف المحمولة، فإن ما تزخر به تلك التقنيات.
من تصوير لبنات وأعراض المسلمين بغرض اللهو والعبث أمر يفوق التصور الطبيعي للعقل، فلم تعد الرذيلة أمر صعب المنال، ويحتاج الوصول إليه وقطع المسافات إليه أياما وليالي، بل هي ساعات ودقائق ولحظات حتى يتكفل أحدهم بأن يهدي أخاه أو صديقه رسالة عبر الهاتف لا يستغرق انتقالها سوى لحظات من الثانية، وثمن بخس من النقود، وقضية برجس تضعنا أمام هالة من التساؤلات حول خطر هذه الأخلاق الوليدة في مجتمعاتنا نتيجة ولادة هذه المبتكرات وتضعنا أمام تفكير جاد حول إنعكاسات ونتائج التربية الإلكترونية الحديثة، والتي كان أثرها المباشر نابع من ذلك العالم المجهول الذي إقتحمت مجتمعاتنا أسواره بغتة دون سابق إنذار أو تهيئة، ولن يكون علاجها مختصا بجانب دون آخر، ولن يردعها فتوى شرعية، بل إن فتوى عاجلة تحرم إقتناء هاتف.
يمتلك خاصية التصوير ليس هو العلاج الصائب، وليست كهذه الفتاوى العاجلة هي ما ينتظرها مراهق عابث، أو شاب طائش، كما أن لغة التحريم المطلق دائما ما توقع مصداقية العالم أو المفتي في حرج، عندما يكتشف جوانب الصلاح والفائدة في تلك التقنية فيصدر فتوى إستدراكية عن جواز اقتناء ذلك الجهاز بضوابط معينة، كما أنه وفي ظل عصر بات العالم فيه قرية صغيرة، نكون قد أعلنا على أنفسنا الحكم بالتوقف عن مجاراة الحياة إن أعلنا عصياننا على كل مخترعات أو تقنيات تصل إلينا، ونكون قد رفعنا بأنفسنا راية الإستسلام على مواكبة هذا العصر لأن القادم حتما سيكون أشد وأنكل، وإن كل تقنية أو مخترع تم إكتشافه لا يمكن إلا وأن يجمع جوانب الخير والشر، وهذه حكمة الله في الحياة حتى في من قام بصنعه الله عزوجل وهو الإنسان نفسه.
فهو أيضا وعاء يحمل نفسا خيّرة، ونفسا شريرة، كما وليس من العقل أيضا أن نتوقع بأن العلاج يكمن في عقار كيميائي ووصفة سحرية بها سيتوقف مسلسل العبث بأعراض الناس، وتصيد عوراتهم، لأن سنة الله في الكون تأبى إلا أن يبقى الصراع بين الحق والباطل مادامت الحياة، وأن تستمر المعركة بين الإنسان والشيطان ما بقيت السماوات والأرض، فنكون قد تعدينا حدود العقل والنقل والمنطق إن أردنا أن نبحث عن علاج جذري لهذه الظاهرة لكي نجتثها ونستأصلها لأن حكمة الله عز وجل اقتضت أن لا تنشأ مجتمعات الطهر والنقاء إلا في الجنة، أما في الدنيا فهي ساحة صراع لا ينتهي إلا بإنتهاء الدنيا.
نتائج التربية الإلكترونية الحديثة