يصنع الجاهل بنفسه ما لا يصنعه عدوّ بعدوّه…!
هنا نابل / بقلم المعز غني
وتستمر التغطية الإعلامية
يصنع الجاهل بنفسه ما لا يصنعه عدوّ بعدوّه…!
هناك أناس يلهثون وراء التجميل كما يُلاحَق السراب في صحراء العطش ، يظنّون أن السعادة تُحقن إبرةً في وجه ، وأن القَبول الإجتماعي يُفصَّل على مقاس الشفاه والخدود والأنوف ، وأن الجمال صناعةٌ تُشترى وتُستعار وتُبدَّل كالثياب.
في زمنٍ صار فيه المرآة أكثر صدقًا من القلب عند البعض ، تحوّل الوجه من هوية إلى مشروع ، ومن ملامح وراثة إلى صفحة تعديل لا تعرف نهاية .
لم يعد التجميل ، عند كثيرين ، حالةً طبية ضرورةٌ لجرحٍ أو عيبٍ أو تشوّه ، بل صار سلوكًا إستعراضيًا ، وسباقًا محمومًا نحو نسخةٍ زائفة من الجمال تُصنَع في العيادات وتُعرَض على الشاشات وتُسوَّق بوهم الكمال ، كأن في العيون إتفاقًا سريًا على أن الطبيعي ناقص ، وأن الخلقة خطأ ينبغي تصحيحه ، وأن الله ـ جلّ في علاه ـ يحتاج إلى “ لمسة طبيب ” ليكتمل صنعه … ويا لجرأة الوهم حين يتزيّا بثوب الجرأة …!
وهنا ينطبق المثل القاسي بمرّه:
“ يصنع الجاهل بنفسه ما لا يصنعه عدوّ بعدوّه .”
فالعدوّ إن أراد بنا سوءًا واجهنا وهزمنا أو جرحنا ، أمّا الجهل فإنه يُغري صاحبه بابتلاع الطُعم بنفسه ، وبإيذاء ذاته وهو يظنّ أنه يُحسِن إليها.
الجهل لا يكسر العظام فقط ، بل يُكسِّر البصيرة ؛ لا يُشوّه الملامح فحسب ، بل يُشوّه المعاني ؛ يجعل القبح رأيًا ، والتشويه موضة ، والتقليد بطولة .
كم من وجهٍ كان فيه من السكينة ما يكفي ليكون لوحةً سماوية ، فحوّله الحقن إلى قناع جامد لا يبتسم إلا نصف إبتسامة ، ولا يبكي إلا بصمتٍ من [بوتوكس …! ] .
كم من عينٍ كانت تحكي تاريخ صاحبها فصارت تُحدّق بلا ذاكرة ، وكم من فمٍ كان يروي قصص الفرح فصار حوافَّ صمتٍ منبعجًا لا طعم له ولا لون.
ليست المشكلة في الإبرة بقدر ما هي في الفكرة ، ليست في الطبيب بقدر ما هي في المريض من عقدة نقصٍ تُدار بعملة الإعجاب .
ثم جاءت وسائل التواصل الإجتماعي الفايسبوك تنفخ النار في الهشيم ؛ تصنع معايير وهمية ، وتبيع “ الفلتر ” على أنه حقيقة ، و
النسخة المُعدَّلة على أنها الأصل ، وتُقنع المراهقات أن القيمة في عدد القلوب لا في نبض القلب ، وأن الصورة أهم من السيرة ، وأن الملامح أهم من الأخلاق.
فكبرت المرآة ، وصغر الإنسان .
وليس الجمال ـ واللهِ ـ في نفخ خدٍّ أو تصغير أنف ، أو تكبير صدر … ولا في تسوية جبينٍ ولا رسم حاجب ؛ الجمال في صدق نظرة ، في حياء إبتسامة ، في طهارة سريرة.
الجمال في عينٍ لا تحسد ، وقلبٍ لا يحقد ، ولسانٍ لا يجرح . الجمال في سلامٍ مع الذات ، لا في حربٍ عليها بإسم
“ التطوير ” .
ولن ننكر أن في التجميل جانبًا إنسانيًا رحيمًا حين يكون علاجًا ، ورحمةً حين يكون جبرًا لكسرٍ أو سترًا لجرحٍ.
لكن المأساة حين يتحوّل من دواء إلى إدمان ، ومن تصحيحٍ إلى مسخة، ومن ضرورة إلى تجارة أحلام على حساب النفس . عندها لا يعود الوجه وجهًا ، بل يصبح إعلانًا .
يا بنات هذا الزمان :
لا تُقايِسْنَ قيمتكنَّ بمِسْطرة ملامح ، ولا تُسَلِّمْنَ وجوهكنّ لمشرط الموضة ، وجوهكنّ شهادات ميلاد ، لا حقائب سفر تُغيَّر كل موسم. كونوا جميلات بطبيعتكنّ ، فالطبيعي لا يَبور ، والزائف يذبل سريعًا .
ويا من تُلاحقون التجميل :
تذكّروا أنكم وحدكم من تعيشون في هذه الوجوه ، لا الجمهور ولا المتابعون.
فإما أن تُحبّوا وجوهكم كما خلقها الله فتعيشوا في سلام ، أو تُرهقوها بالتجارب فتعيشوا في مطاردتها حتى التعب .
في الختام :
ليس كل ما يلمع ذهبًا ، ولا كل ما يُحقن جمالًا .
والأجدر بنا أن نُجمِّل أرواحنا قبل وجوهنا ، وأن نداوي أفكارنا قبل خدودنا أو صدورنا ، وأن نُصلِح علاقتنا بذواتنا قبل أن نُصلِح أنوفنا .
فالجاهل قد يُؤذي نفسه أكثر مما يفعل به خصمه …
وأبشع عداوة : أن يكون الإنسان سكين نفسه .
هنا نابل
بقلم المعز غني
عاشق الترحال وروح الاكتشاف


