يوميات عباس محمود العقاد في السودان الشقيق
بقلم : السعيد عبدالعاطي
هروب العقاد من عقاب الزعيم النازي أدولف هتلر لمواقفه و لمعادته النازية ٠٠٠
أبعدا نرجى أم نرجى تلاقيا
كلا البعد والقرب يهيج ما بيا
إذا أنا أحمدت اللقاء فاننى
لأحمد حينا للفراق أياديا
ألا من لنا فى كل يوم بفرقة
تجدد ليلات الوداع كما هيا ٠
( من قصيدة : ليلة الوداع )
“والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثرَ من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقاديرِ الحساب”.
( عباس محمود العقاد )
و بعد هذا التصدير عن متعة ( القراءة )التي ترسم شخصية العقاد في شتى مجالات المعرفة و دائرة الثقافة و الذي عاش قرابة ثمان عقود متأملا في رحلة حياته كما نطالع سيرته الذاتية هكذا ٠٠
في البداية عندما نقلب في صفحات العقاد المعلوم منها و المجهول معا ً ، يستوقفني هذا المشهد في أرض السودان ٠
نعود إلى مواقف و مشاهد مؤثرة في حياته منذ ( الهروب السياسي ) ٠
فقد وضعت ألمانيا النازية العقاد ضمن المطلوبين، فتوجس خيفة ولجأ إلى السودان عام 1943، حيث مكث فيه بضعة أسابيع.
و ذلك فى يوليو عام 1942 ، أبان الحرب العالمية الثانية ، فقد اشتد لهيب الحرب، وكانت جيوش هتلر وموسلينى بقيادة روميل تكتسح جيوش الحلفاء فى شمال افريقيا ، حتى وصلت العلمين ، واصبحت قاب قوسين او ادنى من القاهرة ، التى كانت مكفهرة الوجه ، تعج بالجنود والجواسيس من كل جنس وتهيأت جيوش روميل لدخول مصر ، بينما احتلت جيوش موسلينى كسلا والكرمك وتهيأت لاحتلات السودان.
و بسبب موقفه المعادى للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، حتى أن أبواق الدعاية النازية وضعت اسمه بين المطلوبين للعقاب، وما أن اقترب جنود إرفين روميل من أرض مصر حتى تخوف العقاد من عقاب الزعيم النازي أدولف هتلر وهرب، ولم يعد إلا بعد اتهاء الحرب بخسارة دول المحور.
* العقاد في السودان :
و توجه إلى السودان اختيارا حيث جذوره ، و من قبل احتضن صالون العقاد الأدبي بالقاهرة الشاعر السوداني معاوية نور، بينما شهد السودان تقديراً كبيراً للعقاد، وقد أثنى بدوره على شعراء سودانيين مثل محمود الفضلي ووصفه بـ “الأستاذ”.
العقاد يزور دار الخريجين بأم درمان بدعوة من بعض الأدباء السودانيين ليتعرف على اعضائه من الشعراء و الأدباء ، وجلس بينهم يتسامر معهم فى ود ويدير الحديث فى اتجاهات مختلفة باسلوب شيق ساحر، وبعد أن تشعبت بهم الأحاديث قال قائل للعقاد أن الشاعر محمود الفضلى يجيد إنشاء الشعر ، فالتفت إليه العقاد وطلب منه أن ينشده شعراً ، فانطلق ينشد قصيدة العقاد (ليلة الوداع) ٠
و القصيدة تذكرنا بشعر ابن زيدون في الأندلس عندما عشق الأميرة ولادة بنت المستكفي في ( قرطبة ) ثم حدث وشاية ففر هاربا خوفا من للتنكيل و السجن فتوجه إلى ( إشبيلية )٠
و هناك كتب نونيته التي عارضها الكثير من الشعراء و هي تصف الأحوال و مدى الظلم الذي تعرض له ٠
و من مملكة أشبيلية الغاربة راح يعاتب ولادة ويقول لها:
أَضحى التَنائى بَديلًا مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
فَاِنحَلَّ ما كانَ مَعقودًا بِأَنفُسِنا
وَاِنبَتَّ ما كانَ مَوصولًا بِأَيدينا
وَقَد نَكونُ وَما يُخشى تَفَرُّقُنا
فَاليَومَ نَحنُ وَما يُرجى تَلاقينا
ب نتُم وَبِنّا فَما اِبتَلّت جَوانِحُنا
شَوقًا إِلَيكُم وَلا جَفَّت مَآقينا
نَكادُ حينَ تُناجيكُم ضَمائِرُنا
يَقضى عَلَينا الأَسى لَولا تَأَسّينا
و من ثم نجد صدى بينها و بين قصيدة العقاد ( ليلة الوداع ) في نبرة الحزن و الأسى و التوجع و الدموع ٠٠
و كتب العقاد من قبل يعبر فيها عن حيرة المحب بين ألم الفراق وأمل اللقاء، متسائلاً عن المصير الذي ينتظره في علاقاته ٠٠
و العقاد يعتز بنفسه في عزة و كبرياء و لم تغيره الحوادث و لم تنل منه المواقف و المعروف عنه شخصية قوية – وهو العصى الدمع شامخاً فأصابه وهن و تأثر بها عند سمعها ٠٠ والتى مطلعها :
أبعدا نرجى أم نرجى تلاقيا
كلا البعد والقرب يهيج ما بيا
إذا أنا أحمدت اللقاء فاننى
لأحمد حينا للفراق أياديا
ألا من لنا فى كل يوم بفرقة
تجدد ليلات الوداع كما هيا
ليالٍ يبيح فيها الدلذث زِمَامَهُ
ويرخص فيها الشوق ماكان غاليا
غداً ننظر البدر المضوئ فوقنا
وحيدين من دارين لم تتلاقيا
بنا أنت من بدر وددت لو أنه
يبدو على الأفق أينما كنت ثاويا
أشم شذى الأنفاس منك وفى غد
سيرمى بنا البين المشت المراميا
وألثمه كيما أبرد غلتى
وهيهات لا تلفى مع النار راويا
فقبلت كفيه ، وقبلت ثغره
وقبلت خديه وما زلت صاديا
وتلمَّس كفي شعره فكأنني أعارض
سلسالاً من الماء صافيا
كأنا نذود البين بالقرب بيننا
فنشتد من خوف الفراق تدانيا
ولما تقضى الليل الا أقله
وحان التنائى جشت بالدمع باكيا
فأقبل يرعانى ويبكى ، وربما
بكى الطفل للباكى وان كان لاهيا
وزحزحنى عنه بكف رقيقة
واسبل اهداب الجفون السواجيا
واسلمت كفى كفه فأعادها
وقلبى ! فهلا أرجع القلب ثانيا
فلم أر ليلاً كان أطيب مطلعاً
وأكأب أعقاباً وأشجى معانيا
فيا من يعيد الدهر من حيث بدا
اعد لي ليلات بمصر خواليا
إن كان لي في مقبل العيش مدة
فياليت يغدو مقبل العيش ماضيا ٠
و في نهاية العرض لقصيدة ليلة الوداع ، لا نمتلك إلا أن قول :
رحم الله العملاق عباس محمود العقاد و تظل أعماله الرائعة تخلده في سجل الخالدين .
يوميات عباس محمود العقاد في السودان الشقيق


