أبناؤنا في مهبّ الريح
بقلم / محمد على جمال

لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على أبنائنا ترفًا فكريًا، بل أصبح فريضة حتمية وضرورة ملحّة يفرضها واقع يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على المتابعة. فالطفرة الهائلة في مجالات الاتصالات، ومواقع التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، فتحت أبوابًا واسعة للمعرفة، لكنها في الوقت نفسه أزالت كثيرًا من الحواجز التي كانت تضبط ما يُعرض وما يُتداول، فوجد أبناؤنا أنفسهم أمام سيلٍ جارف من الأفكار والرؤى بلا توجيه أو فرز.
هذا الواقع الجديد لا يعني بالضرورة أن التكنولوجيا شرٌّ في ذاتها، لكنها سلاح ذو حدين. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الضوابط التربوية والفكرية التي تمكّن الأبناء من التمييز بين النافع والضار. فالعالم الرقمي لا يعترف بخصوصية المجتمعات، ولا يلتزم بقيم ثقافية أو دينية بعينها، بل يطرح كل شيء على بساط واحد: الصالح والطالح، البناء والهدّام.
ومن هنا يظهر التحدي الكبير أمام مجتمعاتنا العربية والإسلامية، التي تقوم في أصلها على منظومة من القيم الأخلاقية والدينية الراسخة. هذه القيم ليست قيودًا تعيق التقدم، بل هي إطار يحفظ توازن الإنسان ويحمي فطرته. والإسلام، كسائر الرسالات، لم يأتِ ليصادر العقل البشرى أو يمنع الانفتاح مع الآخر ، وإنما وضع ضوابط تصون كرامة الامة وتحافظ على هويتها الحضارية وتمنع الانزلاق نحو الفوضى الأخلاقية.
صحيح أن الجزء الأكبر من هذه التكنولوجيا يُنتج خارج عالمنا العربي، وأننا غالبًا ما نكون في موقع المستهلك لا المنتج، لكن اختزال المشكلة في “الهيمنة الخارجية” وحدها يُغفل جانبًا مهمًا من المشكلة: مسؤوليتنا نحن في التربية والتوجيه وبناء الوعي. فالأبناء لا يضيعون فقط بسبب ما يُعرض عليهم، بل بسبب غياب المناعة الفكرية التي تمكّنهم من الاختيار الصحيح.
إن التحدي الحقيقي ليس في منع المحتوى – وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في عالم مفتوح – بل في إعداد جيل واعٍ، قادر على الفهم والنقد والتمييز. جيل يعرف هويته، ويعتز بدينه وثقافته، دون أن ينغلق عن العالم أو يعاديه. فالعزلة لم تعد خيارًا، لكن الذوبان أيضًا ليس قدرًا محتومًا.
ومع ذلك فأن هذا لا يعفى مؤسساتنا من دورها فى الحفاظ على هوية الأمة وعلى ابنائها من الانحراف والانحراف نحو ما يخطط له . فالحاجة اليوم ماسة إلى استراتيجيات واضحة في مجالات التعليم والإعلام والرقمنة، تهدف إلى:
إنتاج محتوى هادف وجذاب ينافس ما يُعرض عالميًا
دعم منصات محلية تعكس قيم المجتمع وثقافته
سنّ تشريعات تحمي الأطفال والشباب من المحتوى الضار
تعزيز التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة
كما أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول. فالحوار مع الأبناء، ومتابعتهم، وبناء الثقة معهم، أهم بكثير من المنع والمراقبة الصارمة. فالأب الذي لا يعرف ما يشاهده ابنه، ولا الأم التي لا تدرك العالم الذي تعيش فيه ابنتها، يتركان فراغًا تملؤه مصادر أخرى قد لا تحمل نفس القيم.
إن الحديث عن “حرب على القيم” قد يحمل شيئًا من المبالغة إذا فُهم على إطلاقه، لكنه يعكس قلقًا مشروعًا من تحولات سريعة قد تضعف الهوية إذا لم نُحسن التعامل معها. فالعالم يتغير، والقيم أيضًا تتعرض لإعادة تعريف مستمرة، لكن المجتمعات القوية هي التي تواكب هذا التغير دون أن تفقد جذورها وتعيد البوصلة إلى طريقها الصحيح.
أبناؤنا ليسوا في مهبّ الريح بالكامل… لكنهم يقفون على مفترق طرق. وما نزرعه فيهم اليوم من وعيٍ وفهمٍ وثقةٍ بالنفس، هو ما سيحدد اتجاههم غدًا: إما أن يكونوا فاعلين مؤثرين في هذا العالم، أو مجرد متلقين تائهين في زحامه.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل أعددنا أبناءنا ليواجهوا هذا العالم، أم تركناهم يواجهونه وحدهم؟
بقلم على محمد جمال
أبناؤنا في مهبّ الريح

