“أفروديت… حين تشتكي الروح ويبوح الغزل
في مجلسٍ الحكواتي الذي تعوّد أن يُصغي للحكايات قبل أن يرويها…
وحيث الكلمات لا تُقال فقط، بل تُحَسّ وتُعاش…
حلّت علينا ضيفةٌ جاءت من سفوح طرطوس، من قريةٍ تُدعى المصطبة، هناك… حيث الجبل يهمس للبحر، وحيث يولد الجمال على هيئة قصيدة.
قالت بهدوءٍ يشبه بدايات المطر:
“أنا سمر جهاد إبراهيم… أفروديت”
ومنذ تلك اللحظة، أدركت أنني لا أستضيف شاعرة فحسب…
بل أستمع إلى روحٍ تمردت على الاسم… لتكتب اسمها بنفسها.
قلت لها، وأنا أهيّئ دفاتر الأسئلة:
س1- “يا ابنة المصطبة… هل بدأت الحكاية من هناك؟ من القرية… أم من أول دهشة حبٍ كتبتك؟”
ج1-
أظنّ أن الحكاية لم تبدأ من مكانٍ واحد، بل من تواطؤٍ خفيّ بين المكان وسنّ المراهقة، تلك المرحلة التي يتفتّح فيها القلب على أول دهشةٍ اسمها الحب. في القرية، حيث الصفاء والبساطة، كانت المشاعر أكثر نقاءً، وأكثر قدرةً على التشكّل بحرية. هناك، لم يكن الحب مجرد إحساسٍ عابر، بل حالة شعورية عميقة تبحث عن صوتٍ يُعبّر عنها.
كما أن جمال الطبيعة لم يكن مجرد مشهدٍ يُرى، بل كان حالة تُعاش؛ الجبل، والبحر، وتفاصيل الحياة اليومية، كلها كانت تُربّي فينا حسّ التذوق للجمال، وتدفعنا لنُحب الفن والإبداع بكل أشكاله. تلك القرية لم تكن مكانًا عابرًا، بل كانت حاضنةً لطاقاتٍ كثيرة، أنجبت واحتضنت العديد من المبدعين الذين وجدوا في تفاصيلها الأولى مصدر إلهامهم.
وفي تلك السنّ، حين تضيق الكلمات في الحلق، كان دفتر الذكريات هو الملاذ الأول؛ أكتب فيه ما لا أستطيع قوله، وأُسطر فيه ارتباك البدايات وحنينها، وأمنح مشاعري شكلًا يُشبهها. من تلك الصفحات البسيطة، بدأت الحكاية… حين تحوّل الحب من شعورٍ صامت إلى لغة، ومن نبضٍ خجول إلى نصٍّ يحاول أن يفهم نفسه عبر الكتابة.
س2- حين تعودين إلى قريتك، حيث الجبل والبحر… كيف صاغ هذا المشهد الأول حسّك الشعري؟
ج2-
ذلك المشهد الأول، حيث الجبل يجاور البحر، منحني ازدواجية شعورية فريدة؛ صلابة الجبل علّمتني الثبات، واتساع البحر فتح داخلي أفق الحلم والقلق معًا. في هذا التناقض الجميل، تشكّلت لغتي الشعرية: بين علوّ يطمح، وعمقٍ يغوص، وبين إحساسٍ يتأرجح بين السكون والعاصفة.
كنت دائمًا أشعر بشيءٍ في داخلي يتحرّك، حالة مبهمة تبحث عن شكلٍ يُجسّدها. حاولتُ أولًا أن أرسمها، ثم أن أُعيد صياغتها على هيئة قصةٍ قصيرة، وكأنني أبحث عن لغةٍ تليق بما أشعر. بعدها انتقلت إلى الشعر المحكي، ثم الموزون، حيث تعرّفت على الإيقاع كوسيلةٍ لضبط هذا التدفق الداخلي.
لكنني في النهاية وجدت أن النثر هو المساحة الأوسع التي احتوتني؛ فيه استطعت أن أرسم البعد الخيالي بحرية أكبر، وأن أُعبّر عن التفاصيل الدقيقة دون قيود. كان النثر بالنسبة لي ليس مجرد شكلٍ أدبي، بل فضاءً مفتوحًا أرى فيه نفسي كما هي، وأكتبها كما أشعر بها.
س3- بدأتِ بالرسم، ثم القصة، ثم الشعر… هل كان الشعر خلاسكِ الحقيقي؟
ج3-
الشعر لم يكن مجرد محطة، بل كان المصبّ الذي اجتمعت فيه كل تجاربي. الرسم علّمني الصورة، والقصة منحتني الحكاية، أما الشعر فقد جمع الصورة والحكاية في لحظة شعورية مكثّفة. نعم، كان الشعر خلاصي الحقيقي، لأنه اللغة الوحيدة التي استطاعت أن تحتوي فائض إحساسي دون أن تُقيّده.
س4- ورودُ القلبِ تسألني عن الأحبابِ في عيني… ألا والله لا تحلو ليالينا بلا مَينِ… في هذا البوح، نلمس غيابًا وحنينًا… هل الغزل لديكِ هو حضور الآخر أم غيابه؟
ج4-
الغزل عندي ليس حضورًا خالصًا ولا غيابًا مطلقًا، بل هو المسافة بينهما. أكتب الحب حين يكون حاضرًا بقدر ما أكتبه حين يغيب. أحيانًا يكون الغياب أكثر حضورًا في النص، لأنه يُحفّز الذاكرة والحنين. في شعري، الحبيب ليس دائمًا شخصًا، بل حالة شعورية تتبدّل بين القرب والافتقاد.
س5- جرّبتِ الشعر الموزون، لكنك وجدتِ نفسك في النثر… ماذا منحك النثر من حرية؟
ج5-
النثر منحني مساحةً أوسع للتنفس. في الشعر الموزون كنت أشعر أحيانًا أن الإيقاع يقودني، أما في النثر فأنا من يقود النص. حرية النثر لا تعني الفوضى، بل تعني الصدق الكامل في التعبير، دون أن أُجبر إحساسي على الانصياع لقالبٍ مسبق. وجدت فيه صوتي الأكثر عفوية وجرأة.
س6- إذا الأحبابُ ما غابوا… وروحي تشتكي فيني… ويبكي القلبُ من شوقٍ… لعل الوصلَ يدنيني… لُقّبتِ بشاعرة الغزل… كيف تكتبين الحب في زمنٍ تغيّرت فيه المشاعر؟
ج6-
في زمنٍ تغيّرت فيه المشاعر، وربما تسارعت حتى فقدت شيئًا من عمقها، أحاول أن أكتب الحب كقيمةٍ إنسانية لا كحالةٍ عابرة. أكتب الحب كما ينبغي أن يكون، لا كما أصبح. الغزل بالنسبة لي مقاومةٌ للجفاف العاطفي، ومحاولةٌ لإعادة الاعتبار للإحساس الحقيقي الصادق الذي لا يتبدّل بتبدّل الزمن.
فالحب حالة شعورية وإحساس لا نستطيع أن ننكره، ولا أن نُلغيه من داخلنا؛ هو جزءٌ من تكويننا الإنساني. قد تتغيّر بنا الظروف، وقد نقسو أحيانًا أو نتوارى خلف صمتنا، لكنه يبقى حاضرًا فينا، يُذكّرنا بأننا ما زلنا نشعر… وما زلنا موجودين. ولهذا أكتبه، لا كترفٍ عاطفي، بل كحقيقةٍ تعيد للروح توازنها، وتمنح القلب سببًا ليستمر في النبض.
س7- كتبتِ باللهجة المحكية أيضًا… هل هي عودة إلى الجذور أم اقتراب من الناس؟
ج7-
الكتابة باللهجة المحكية كانت عودةً إلى الذات بقدر ما كانت اقترابًا من الناس. اللهجة تحمل دفء الحياة اليومية، وتُعبّر عن نبض الشارع والذاكرة الجمعية. هي ليست بديلًا عن الفصحى، بل امتداد لها في سياقٍ أكثر حميمية وبساطة.
س8- اسم “أفروديت”… هل هو تمرد أم ولادة جديدة لكِ؟
ج8-
اسم “أفروديت” كان مزيجًا من التمرّد والولادة الجديدة. نحن نولد دون أن نختار أسماءنا التي ترافقنا طوال الحياة، لكنني في هذا الاسم وجدت نفسي كما أردت أن أكون. شعرتُ أنه يمنحني طاقة الانطلاق، ويحرّرني من القيود التي قد تفرضها المسميات التقليدية.
كان “أفروديت” بالنسبة لي مساحةً أعبّر فيها عن ذاتي بصدق، وعن أفكاري دون خوف أو تردّد. هو تمردي الواعي، ليس على الاسم بحد ذاته، بل على كل ما قد يحدّ من حريتي في التعبير. من خلاله، لم أُغيّر اسمي فقط، بل منحت صوتي فرصة أن يظهر بشكلٍ أكثر جرأة ووضوحًا.
س9- كيف يمنحك هذا الاسم طاقة تنعكس في نصوصك؟
ج9-
هذا الاسم يمنحني طاقة رمزية، فهو مرتبط بالجمال والحب، وهما جوهر تجربتي الشعرية. حين أكتب باسم “أفروديت”، أشعر أنني أتحرر من الخوف، وأقترب أكثر من جوهر النص. هو مساحة أسمح فيها لنفسي بأن أكون كما أشاء، دون رقابة داخلية صارمة.
س10- مررتِ بفترة انقطاع… كيف غيّرتك العودة إلى الكتابة؟
ج10-
الانقطاع كان تجربة قاسية، لكنه كان ضروريًا لإعادة التوازن. العودة إلى الكتابة لم تكن استمرارًا لما كنت عليه، بل كانت ولادة جديدة بنضجٍ أعمق. تغيّرت نظرتي للكلمة، وأصبحت أكثر وعيًا بمسؤولية النص، وبأهمية أن أكتب ما أؤمن به حقًا.
س11- خلال الظروف الصعبة التي مرّت بها سوريا، بادرتِ كمبدعة وإعلامية إلى تكريم الشعراء السوريين مادياً ومعنوياً، ودعمهم نفسيًا، خطوة نادرة وغير مسبوقة في الوسط الثقافي. ماذا أرادت “أفروديت” أن تقول من خلال هذه المبادرة للعالم، وللمشهد الشعري السوري؟ وكيف شعرتِ وأنت تلتقطين أيدٍ وأرواحاً لتعطي الأمل والإبداع رغم قسوة الظرف في ذلك الوقت ؟
ج11-
تلك المبادرة لم تكن مجرد فعلٍ تكريمي، بل كانت رسالة إنسانية عميقة قبل أن تكون أدبية. في ظل الظروف الصعبة، شعرتُ أن الشعراء بحاجة إلى من يُعيد إليهم الإيمان بقيمة ما يكتبون، وأن الكلمة، مهما اشتدّ عليها الواقع، لا تفقد قدرتها على النور. أردتُ أن أقول إن الإبداع لا يُقاس بالظروف، بل بقدرتنا على تجاوزها.
كما أردت أن أقول للعالم إن الأنثى قادرة على صنع الضوء، حتى ولو كان الليل قاسيًا ومظلمًا، وأنها ليست مجرد صوتٍ يتأثر، بل قوةٌ تُبادر وتُحدث فرقًا. وأردت أيضًا أن أُخبر العالم بأن سوريا، رغم كل ما مرّت به، تبقى حاضنةً للكلمة والإبداع، وأن العطاء بكل أنواعه لا يزال متجذرًا في مثقفيها وأدبائها.
كنتُ أريد أن أُمسك بيد كل شاعرٍ سوري، وأقول له: انهض… فنحن هنا نُكمل بعضنا بعضًا، ولا أحد يُقصي الآخر من مشهد الكلمة. نعم، قد تكون خطوة سبّاقة في الوسط الثقافي، لكنني فعلتها، لأنني أؤمن أن المبادرات الحقيقية لا تنتظر التوقيت المثالي، بل تُصنع بالإرادة والإيمان.
س12- بين الإعلام والشعر… أين تجدين نفسك أكثر؟
ج12-
أجد نفسي في الشعر كهوية، وفي الإعلام كوسيلة. الشعر هو جوهري الداخلي، أما الإعلام فهو الجسر الذي يصل هذا الجوهر بالآخرين. كلاهما يكمل الآخر، لكن إن كان عليّ أن أختار، فسأختار الشعر لأنه بيتي الأول.
س13- ماذا أضافت لكِ المهرجانات واللقاءات الشعرية؟
ج13-
المهرجانات واللقاءات الشعرية أضافت لي تجربة إنسانية وثقافية غنية، وعرّفتني على أصواتٍ وتجارب مختلفة، وجعلتني أرى النص خارج عزلته، وأختبر صداه الحقيقي في وجدان الآخرين. هي مساحة للتفاعل الحي، حيث يتحوّل الشعر من كتابةٍ صامتة إلى نبضٍ يُتلى ويُعاش.
كما منحتني القدرة على التعبير عن الحرف الذي أكتبه بإحساس الصوت وتعابير الوجه، فصار للنص بُعدٌ آخر يتجاوز الورق إلى الأداء. هذه التجارب أعطتني عمقًا ثقافيًا أوسع، ووسّعت رؤيتي في كيفية إيصال الفكرة والإحساس معًا.
إضافةً إلى ذلك، زادت من خبرتي في الوقوف على منابر الإبداع وأمام جمهورٍ من الأدباء والمثقفين، وهو ما منحني ثقةً كبيرةً بنفسي، ودفعني إلى مزيدٍ من الإبداع والتجديد في طرحي الشعري.
وقبل أن نطوي صفحات اللقاء… ابتسمت أفروديت، وقالت بنبرةٍ يختلط فيها الامتنان بالصدق:
أتقدّم بجزيل الشكر والامتنان للحكواتي فايل المطاعني،
ذلك الصوت الذي لا يروي الحكاية فحسب… بل يُنصت لنبضها، ويمنحها حياةً بين السطور.
لقد كان هذا اللقاء أكثر من حوار… كان عودةً صادقة إلى الذات، وإلى تلك التفاصيل التي نصنع منها أرواحنا دون أن نشعر.
ثم أضافت، وكأنها توجّه حديثها عبر المجلس إلى قلوبٍ لم تصل بعد:
إلى كل فتاةٍ تحلم أن تكون شاعرة…
لا تنتظري أن يمنحكِ أحدٌ صوتكِ، اكتبيه بنفسك.
اقرئي كثيرًا… واكتبي أكثر… وامنحي قلبكِ الجرأة ليبوح دون خوف.
الشعر ليس كلماتٍ تُرصّ، بل إحساسٌ يُولد من صدقكِ أنتِ،
فكوني أنتِ… بكل ما فيكِ من شغف، وتمرّد، وحنين.
ولا تخشي الطريق… فكل قصيدةٍ عظيمة بدأت بخطوةٍ خجولة.
وهكذا… لم يكن اللقاء مجرد أسئلةٍ تُطرح،
بل كان رحلةً في روحٍ تعرف كيف تحب… وكيف تكتب هذا الحب.
سمر جهاد إبراهيم… أفروديت…
اسمٌ اختار أن يكون حكاية، لا تعريفًا.
وفي مجلس الحكواتي…
تبقى بعض الأصوات، حتى بعد أن يغادر أصحابها…
كأنها تقول لنا:
الحكاية لم تنتهِ بعد.
شكراً للسيدة أفروديت على هذا الحضور الآسر
شكراً ومن القلب…
إدار الحوار فايل المطاعني ( الحكواتي )


