أنا متَّهمةٌ
بين المشرط و الشعر ٠٠!!
الشاعرة الطبيبة الجزائرية سابرينا عشوش –
بقلم / السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد – مصر ٠
وهذا دمعي قد فُضْتُهُ مِلحًا،أنا متَّهمةٌ
فكيف لا تَجرحني
الحروف وقد كنتُ سِنّ شَفْرتها؟
سكبتُ دمي على السطورِ نَزفًا،
فمتى تتعبُ الحروفُ… وأنا وَجَعها؟
وخطايَ على صدرِ القصيدةِ شوكٌ،
فمن ذا يُداوي الحرف… إن كنتُ أَلَمَها؟
قد تسرّبتُ في جسدِ القصيدة،
حتى غدوتُ نَبضَ سِرّها، ووَهْجَ حِبرها.
وذُبتُ في قلب الشعرِ حتى صِرتُ أنفاسَ معناه،
أُسكنُ المعاني إذا غَفَت، وأُوقظُها إن نامت كِلمَتها.
وإنْ مِتُّ، لا تبكوا الحكايةَ صمتًا،
فقد كنتُ في قلبِ البلاغةِ نَبضَها.وآخر مثواها ٠
” قصيدة : سقف القصيدة “
٠٠٠٠٠٠٠
في البداية تظل فنون الأدب في بلاد المغرب تعكس مدى التزام المرأة هناك بحالة الإبداع في صروف الأدب يعزفن لحن الجمال بين تلك الطبيعة التي همزة وصل بين الشرق و الغرب فتتلاقى الثقافات بعمق جذور الأصالة و بعيون الحداثة ، و ذلك في ثنائية اللكلمة بين المعنى و الصورة تتهادى موسيقى تغازل المشاعر صدقا مع الحياة ٠٠
و ذلك بروح ثائرة تسبح بلا حدود نحو ضفاف الحقيقة الهائج مع تقلبات الواقع وصراعات تجوب ظلال التاريخ هكذا ٠٠
و من ثم نطالع عالم هذه المبدعة الجزائرية ( سابرينا عشوش ) التي تمتلك موهبة أدبية و علمية لتثبت لنا خلاصة علاقة الطب بالأدب و لا سيما الشعر الذي له حضور في النفس المتعبة و العاشقة معا ٠
أليست هي القائلة في قصيدة (حرف لا ينكسر ) :
أيُّها النابِتُ في بُذورِ القصيدة،
يا مَن يسقي الحروفَ بماءِ الانتظار،
أتدري أنّ الضجيجَ الذي أعرتَني إيّاه
قد صار بوصلةً لتيهٍ آخر؟
كنتُ أبحث عن معطفِك،
لكنّي وجدتُكَ بردًا يتدلّى من شرفةِ الكلام،
ونارًا تُطفئ نفسها كلّما اقتربتُ منها.
و د٠ سابرينا عشوش طبيبة و شاعرة جزائرية ٠
تمارس مهنة الطب ببراعة و لا تنفصل إلى بيت الشعر تكتب قصيدتها من تداعيات المجهول وسط صراعات تحدق بموكبها بين لحظة فرح و حزن و صدق و أمل، لها معجمها الخاص حيث توظف مفردات معجم الطب في لوحة الشعر ، و هذا ما نلاحظه في سياق التراكيب و الصور من عمق المشاعر المرهفة حول النفس و الوطن و البيئة و القضايا الاجتماعية و الشعور بالغربة بين أطلال هذا المكان فلشعرها صدى مثل يوميات تحصد رحلة الوجود بكافة أطيافها تقدمها لنا قصائد حافلة بالتأملات و الجمال من منظور رؤية و تجربة تعيشها في تزاوج فتكون بمثابة الهم الأول للإنسان المبدع المتذوق لجوهر الأشياء ٠
من شعرها :
و في قصيدة بعنوان “فرسان الحرف ” تمضي بنا الشاعرة و الطبيبة الجزائرية
سابرينا عشوش و هي تمتطي صهوة لغتنا من خلال الحرف الذي يرسم بالكلمات لوحاتها التي ترمز إلى معاني مفقودة من معادلة الحياة التي أضحى عنوانها لا استقرار في نوبات متباينة الاستثناء في معركة القلم بكافة تصانيفها حيث تقول فيها :
نحنُ الحروفُ إذا استُبيحَتْ ننهضُ… ونذودُ عن شرفِ المعاني
الأعظمِ
نبني قلاعًا من يقينٍ ثابتٍ… لا تنثني مهما تكسَّرَ مِعْولُ الظُّلمِ
إنّا على عهدِ القوافي حُرّسٌ… لم نرتهنْ للغدرِ يومًا أو نُهَزَّمِ
قلمُ الحقيقةِ في الأكُفِّ سيوفُنا… والسيفُ إن خانَ الورى يرحمِ
نقسمُ بأن تبقى القوافي حرّةً… ما دامَ في الأرواحِ نَفْسٌ يُلهمِ
لا يُخدعُ الإبداعُ ما دامَ في الحَشَى… عِرقُ صِدقٍ بالهُدى يعتصِمِ
إن سرقوا منّا الحروفَ فإنّنا… نُرجِعْهَا خضراءَ كالغُصْنِ المُلَثَّمِ
فالضادُ فينا إرثُ جدٍّ خالدٍ… وبها نُعيدُ مجدَ ماضٍ أكرمِ
لسنا نُساومُ في الحروفِ ونرتضي… بيعَ المعاني أو خضوعَ المُجرِمِ
إنّا فرسانُ الضميرِ وحِصنُه… نَمشي على دربِ النَّزاهةِ نَحتكِمِ
نرفعُ القلمَ لواءَ عِزٍّ شامخٍ… ونردُّ عن وجهِ الحقيقةِ تُهَمِ
هي معركةٌ بينَ الحروفِ وأهلِها… نَحيا لها، فالموتُ دونَ الكَلِمْ ٠
***
و في قصيدة أُخرى تحت عنوان” بأسلوب جاهلي ” تصدرها للمنحطين أعداء القلم ٠
و في اعترافات سابرينا عشوش و التي تستهلها مصرحة بأنها ( ابنة القهر ) تزف فيها مفارقات الحياة الاجتماعية بين غبن و سخط و تهجم و كأن الطغاة صاروا قضاة على الأوفياء في ميدان الكلمة ذات بواعث تنبت الجمال برغم المعاناة :
أنا ابنةُ القهرِ الذي في صمتِهِ
نامتْ رياحُ الموتِ في قلبِ السَّرَفِ
ما بينَ رمحِ الحقدِ والعشقِ الذي
يغتالُني… أُزجي الجراحَ إلى الشَّغَفِ
أغفو على حدِّ السيوفِ، فإنْ غفَتْ
عينُ الزمانِ نهضتُ من ليلِ الأَسَفِ
قلْ للرواةِ: تسلّكوا طرقَ الحِكا
فأنا الروايةُ والرمادُ الملفِفِ
لا تسألوا عن والدي… فالريحُ من
فوضى اختناقي كانَ والدي المُشرَفِ
لم أرضعِ الحِلمَ الرضيعَ، وإنّما
سقتِ القبائلُ في دمي كأسَ التلَفِ
إن جئتُ، جاءَ الغيمُ مُتّشحًا دمي
وتشقّقتْ حُجبُ السماءِ من الكُلفِ
وأقولُ للطُرُقاتِ: إني عابِرٌ
هذي الفجائعِ في جبينِ المُرهَفِ
أهوى التوحّدَ في الخرابِ، فإنّني
أبني على وجعي قلاعًا من لهَفِ
وأجرّ غربتي التي لولا الأسى
كانت رفيقتي، وصوتيَ المؤلِفِ
أنا ابنةُ الحرِّ المتمرِّدِ، ما انثنَتْ
ريحُ القصيدةِ في يدي أو تضعُفِ
ويْلي على مَن جاءَ يزحفُ بالهُرا
يرجو القياسَ، وبيتُهُ ليسَ يُؤنَفِ
يا مَن ترنّحَ في القوافي إنّهُ
طفلٌ تزيّا بالسيوفِ وما عرِفِ
قلْ للذي نازلْتُهُ: لا ترفعن
نبراتِ صوتِكَ، فالسحابُ هو الأشفِ
الشعرُ نارٌ، لا يُساكنها الذي
في حبرِهِ ماءُ العبوديّةِ المُزَفِ
إن كنتَ توزنُ بيتَ شعري، فاعلَمِ
أنّي أُقِيمُ الكوكبَ المنحرفِ
خذها على مهلٍ… فأنيابُ الحروفِ
تغفو، ولكن قد تُصيبُكَ بالرَّعَفِ
وأقولُ: يا قلمِي المجلجلَ في يدي
إني وهبتُكَ للدماءِ وللشغَفِ
إن شئتَ كنتَ سلاحَ حريةٍ، وإنْ
مالَ المدادُ غدوتَ خنجرَ مُعتَفِ
إني بنيتُ على الخرابِ منارتي
ومضيتُ أقطعُ بالدواةِ يدَ السَّفِ
هذي صحائفي التي خطَّتْ دمي
قد صاغها وجعُ الصدى لا مَن عرَفِ
أنا لا أُهادنُ في الفجيعةِ غاصبًا
فالنارُ أصدقُ من نفاقٍ مُختلِفِ
فإذا أتيتَ لتستبيحَ قصيدتي
أحرقتُ فيكَ جباهَ جيشٍ مُرجَفِ
قسَمًا بقافيتي وبالحرفِ الذي
يمضي كسهمٍ في صميمِ المُعترَفِ
لن تنحني أبدًا يدي عن حقِّها
فالشعرُ مَجدُ الحرِّ لا وَهمُ الضَّعِفِ ٠
***
و نختم لها بقصيدة “أنا الندبة المذنبة” حيث تقر فيها سابرينا عشوش بخلاصة التجربة بين ظلال عالمها المتداخل بنظرة فلسفية جمالية تشرق من أغوار النفس المتعبة في استدعاء لكل مراحلها تترجم بواعث المشاعر في مكاشفة و نزعة إشراقية صوفية :
أنا لستُ بريئةً كما تزعمون،
أنا مذنبةٌ…
لأنني لم أقدّس صمتكم،
ولم أسجد لعرشكم المصنوع من الوهم.
أنا متَّهمةٌ…
بأني لم أقبّل أعتابكم،
ولا صفّقتُ لمواكب الزيف والعدم.
قُدّامَكم أقفُ،
بشعري المبعثر كريحٍ هوجاء،
وعينيّ شررُ البراكين،
اكتبوا حُكمكم،
أشنقوا ظلّي على جدار الزمن،
لكن لن تسجنوا صوتي،
ولا تحرقوا حروفي،
ولا تكسروا قلمي،
فهو أشرسُ من سيوفكم،
وأبقى من عروشكم التي تنهارُ مع أوّل رجفة حرّيّة.
أنا الندبة التي تركتها الحروب على أجسادكم،
أنا ذاكرة الدمّ التي تخافون مرآتها،
أنا الصرخة التي لا تُخرسها المقاصل،
ولا يطفئها غبار الخضوع.
أضحك…
لأنكم لم تدركوا بعد،
أن التاريخ لا يموت مع مرور الزمن،
وأنكم الصنم الذي يُهدمُ بأوّل صيحة “لا”،
والوطن ليس طينًا تملكونه،
ولا قصرًا من ذهبٍ يزيّن أهواءكم.
حتى الملوك ليست خالدة،
ستموتُ بقصورها،
وسيبقى الوطن قلبًا ينزف حُبًّا ورفضًا،
الوطنُ أنثى تقول: كفى.
أنا متَّهمةٌ…
بأني أنثى حُرّة،
وفي زمن القيود،
تُصبح الحرّيّة جريمةً،
تستحقّ الصلب على أبواب المدن،
لكنّني سأُعلّق على جدران الذاكرة،
وسأصير نشيدًا تتردّده الأجيال،
مهما طال عليها ندوبُ محن الانجراف.
هذه كانت قراءة سريعة في عالم شاعرتنا ( سابرينا عشوش ) التي نسجت قصيدتها من رحم المستحيل و من حرف لا ينكسر يسافر مع الزمن يطرز موكب الحياة بجمال اللغة و مشرط الرحمة في ثنائية الخلود دائما ٠
بين المشرط و الشعر ٠٠!!
أنا متَّهمةٌ
أنا متَّهمةٌ