أين الناشئين الموهوبين في الكرة المصرية؟
مواهب مدفونة تحت الظروف… ومبادرات تحاول الإنقاذ
بقلم
وليد وجدى
في شوارع القرى، وعلى أطراف النجوع، وفي ملاعب ترابية لا تعرف العشب ولا الأضواء، تولد يوميًا مواهب كروية قادرة على أن تغيّر شكل الكرة المصرية لو وجدت من يأخذ بيدها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين هؤلاء الناشئون الآن؟ ولماذا لا نراهم؟
الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من المواهب الناشئة في الكرة المصرية مظلومة، لا لضعف في الموهبة أو قلة في الاجتهاد، بل بسبب ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية. أسر كثيرة لا تملك القدرة على الإنفاق على أبنائها الموهوبين؛ من ملابس رياضية، إلى أدوات تدريب، إلى مصروفات سفر من القرى البعيدة إلى مراكز التدريب أو اختبارات الأندية.
وفي كثير من الحالات، يقف الوقت عائقًا أكبر من المال. أب أو أم يعملان طوال اليوم لتأمين لقمة العيش، فلا يجدان الفراغ الكافي لمرافقة الابن إلى التمارين أو الاختبارات، فيضيع الحلم قبل أن يبدأ. موهبة تحتاج من يرعاها، لكنها تُترك وحيدة في مواجهة الحياة.
ثم نصل إلى العقدة الأخطر: الوساطة.
أصبحت أبواب كثير من الاختبارات لا تُفتح إلا بمعارف أو وسطاء، وأحيانًا بأموال تُدفع من تحت الطاولة. وهنا يجد ولي الأمر نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما دفع ما لا يملك، أو سحب ابنه من الطريق مبكرًا، حفاظًا على كرامته وسترًا لعجزه.
النتيجة واضحة: ضياع مئات، بل آلاف المواهب الحقيقية، وبقاء الساحة لمن يملك المال أو العلاقات، لا لمن يملك القدم الذهبية والعقل الكروي. وهكذا تستمر الدائرة المغلقة، ونظل نتساءل كل عام: لماذا لا تفرز الكرة المصرية نجومًا كبارًا كما كانت تفعل؟
وسط هذا المشهد القاتم، ظهرت محاولات جادة لكسر القاعدة، كان أبرزها مشروع “كابيتانو مصر”، الذي تم إنشاؤه برعاية وزارة الشباب والرياضة، وبالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، في أغسطس 2022. مشروع وُلد من رحم الأزمة، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: اكتشاف مواهب حقيقية دون وساطة أو أعباء مالية.
بدأت أولى اختبارات المشروع في مختلف محافظات الجمهورية، ووصلت إلى القرى والنجوع، ليمنح الفرصة لأطفال لم تطأ أقدامهم أبواب الأندية من قبل. وفي 22 ديسمبر 2022، أُذيعت أولى حلقات البرنامج، ليشاهد الجمهور لأول مرة وجوهًا جديدة قادمة من قلب الشارع المصري.
يستهدف المشروع اكتشاف مواهب الناشئين مواليد 2008 وما بعدها، في جميع أنحاء الجمهورية، مع خطة طموحة لاختيار ألف موهبة مصرية يتم تأهيلها فنيًا وبدنيًا ونفسيًا، وفتح الطريق أمام احترافهم الخارجي، على خطى محمد صلاح وعمر مرموش، مع إبراز أسمائهم داخل الكرة المصرية وخارجها، ليكون الحضور المصري في المحافل الدولية أكبر وأقوى.
لكن، ورغم أهمية “كابيتانو مصر”، يبقى السؤال: هل مشروع واحد يكفي؟
الكرة المصرية لا تعاني نقصًا في المبادرات بقدر ما تعاني حاجة إلى الاستمرارية والتوسع والعدالة. نحتاج إلى تحويل هذه التجربة إلى ثقافة عامة، ومشروع دولة حقيقي، لا يرتبط بموسم أو برنامج.
لأن الموهبة إذا لم تجد فرصة عادلة، تموت واقفة…
ولأن إنقاذ موهبة واحدة من الضياع، قد يعني إنقاذ مس
تقبل الكرة المصرية بأكملها.
أين الناشئين الموهوبين في الكرة المصرية؟
مواهب مدفونة تحت الظروف… ومبادرات تحاول الإنقاذ


