قصة قصيرة
أَحْلَامٌ تَحْتَ السَّمَاءِ
__________
فِي بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ، كَانَتِ الشَّوَارِعُ ضَيِّقَةً وَالْبُيُوتُ الْقَدِيمَةُ تَحْكِي قَصَصًا عَنِ الْمَاضِي. اِجْتَمَعَ مَجْمُوعَةٌ مِنْ الْأَصْدِقَاءِ فِي الْمَقْهَى الصَّغِيرِ فِي قَلْبِ الْبَلْدَةِ، ذَلِكَ الْمَكَانُ الْمُفَضَّلُ لِلشَّبَابِ، حَيْثُ يَتَجَمَّعُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ وَطُمُوحَاتِهِمْ.
فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ، جَلَسَتْ لَيْلَى، فَتَاةٌ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَلْمَعُ عَيْنَاهَا بِالْحُزْنِ وَتَتَحَرَّكُ أَصَابِعُهَا بِتَوَتُّرٍ عَلَى حَافَةِ الْكُوبِ. كَانَتْ طَالِبَةً فِي كُلِّيَّةِ الْآدَابِ، وَحُلْمُهَا أَنْ تَسَافِرَ إِلَى الْقَاهِرَةِ لِتُكْمِلَ دِرَاسَتَهَا. قَالَتْ بِصَوْتٍ عَالٍ، كَأَنَّهَا تُطْلِقُ شَحْنَةً مَكْبُوتَةً: “أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسَافِرَ إِلَى الْقَاهِرَةِ لِأَدْرُسَ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ.”
اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهَا سَارَةُ، صَدِيقَتُهَا الْمُقَرَّبَةُ، وَابْتَسَمَتْ. “لَيْلَى، لِمَاذَا كُلُّ هَذَا التَّشَاؤُمِ؟ الْحَيَاةُ جَمِيلَةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ حَاوِلِي أَنْ تُحَدِّثِي بَابَاكِ مَرَّةً أُخْرَى.”
اِمْتَلَأَتْ عَيْنَا لَيْلَى بِالدُّمُوعِ. “لَقَدْ جَرَّبْتُ. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ كَاتِبَةً وَأَنْ أَدْرُسَ الْأَدَبَ فِي الْقَاهِرَةِ، لَكِنْ بَابَا لَا يُوَافِقُ.”
ضَغَطَتْ سَارَةُ عَلَى كَتِفِ لَيْلَى. “سَأَذْهَبُ مَعَكِ، سَنَتَحَدَّثُ مَعَهُ سَوِيًّا.”
رَفَعَ أَحْمَدُ، الَّذِي كَانَ جَالِسًا فِي زَاوِيَةِ الْمَقْهَى، حَاجِبَهُ بِابْتِسَامَةٍ خَبِيثَةٍ. “يَا لَيْلَى، أَلَيْسَ هَذَا مَا كُنْتِ تَقُولِينَهُ مُنْذُ زَمَنٍ وَلَمْ تَسَافِرِي؟”
غَضِبَتْ لَيْلَى. “أَنْتَ لَا تَفْهَمُ، أَحْمَدُ. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الْقَاهِرَةِ لِأَدْرُسَ، لَا لِأَقْضِيَ وَقْتًا مَعَ الْأَصْدِقَاءِ.”
رَفَعَ أَحْمَدُ يَدَيْهِ فِي اسْتِسْلَامٍ. “آسِفٌ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكِ جَدِّيَّةٌ.”
فِي الْمَسَاءِ، اِجْتَمَعَ الْجَمِيعُ فِي بَيْتِ مَنَالٍ. كَانَ الْمَكَانُ مَلِيئًا بِالضَّحِكِ وَاللَّغَطِ. كَانَتْ هِبَةُ تُحَدِّثُ بِفَخْرٍ عَنْ نَجَاحِهَا فِي الْجَامِعَةِ. اِحْتَضَنَتْهَا مَنَالٌ. “أَنَا سَعِيدَةٌ جِدًّا لَكِ، هِبَةُ! أَنْتِ دَائِمًا مُتَمَيِّزَةٌ.”
فَجْأَةً، لَاحَظَتْ مَنَالٌ أَنَّ لَيْلَى سَاكِتَةٌ. “لَيْلَى، هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُعَكِّرُ صَفْوَكِ؟”
تَوَتَّرَتْ لَيْلَى. “لَا، لَكِنْ… كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ.”
جَلَسَتْ مَنَالٌ بِجَانِبِهَا. “أَخْبِرِينَا، رُبَّمَا نَسْتَطِيعُ مُسَاعِدَتَكِ.”
سَكَتَتْ لَيْلَى لَحْظَةً. “لَقَدْ تَمَّ قَبُولِي فِي جَامِعَةِ الْقَاهِرَةِ!”
اِنْفَجَرَ الْجَمِيعُ بِالتَّصْفِيقِ وَالتَّهَانِي. رَكَضَتْ مَنَالٌ إِلَيْهَا وَاحْتَضَنَتْهَا. “أَوَهْ، لَيْلَى! أَنَا سَعِيدَةٌ جِدًّا لَكِ!”
سَمِعُوا صَوْتَ طَرْقٍ عَلَى الْبَابِ. فَتَحَ أَحْمَدُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَاقِفًا فِي الْمَدْخَلِ. “آسِفٌ عَلَى التَّأْخِيرِ. سَمِعْتُ أَنَّ هُنَاكَ حَفْلَةً هُنَا؟”
ضَحِكَ الْجَمِيعُ. قَالَتْ مَنَالٌ: “أَوَهْ، مُحَمَّدُ! لَقَدْ جِئْتَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ.”
اِبْتَسَمَ مُحَمَّدٌ. “هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ جَدِيدٌ؟”
قَالَتْ سَارَةُ: “لَيْلَى تَمَّ قَبُولُهَا فِي جَامِعَةِ الْقَاهِرَةِ!”
هَنَأَهَا مُحَمَّدٌ. “مَبْرُوكٌ، لَيْلَى! أَنَا سَعِيدٌ لَكِ.”
قَالَتْ مَنَالٌ: “يَجِبُ أَنْ نُرَتِّبَ حَفْلَةَ تَوْديعٍ لِلَيْلَى.”
ضَحِكَتْ لَيْلَى. “لَا دَاعِي، سَأَعُودُ قَرِيبًا.”
هَزَّ أَحْمَدُ رَأْسَهُ. “لَا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ حَفْلَةً كَبِيرَةً. سَتَكُونِينَ مَلِكَةَ الْقَاهِرَةِ!”
ضَحِكَ الْجَمِيعُ، وَكَأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بَدَايَةَ فَصْلٍ جَدِيدٍ فِي حَيَاةِ لَيْلَى.
____________
بقلمى/ عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
أَحْلَامٌ تَحْتَ السَّمَاءِ

