بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يرحمكم الله إننا إذا أقمنا حدود الله تعالي وطبقنا شرائعه، جاءنا النصر من عند الله عز وجل، ومن أول ما يأتى به النصر من الله قذف الرعب في قلوب الأعداء، وهذا سلاح قال فيه صلى الله عليه وسلم “نصرت بالرعب مسيرة شهر” فعندما علم النبى صلى الله عليه وسلم أن ملك الروم جهّز أكثر من خمسمائة ألف، وأعلن أنه سيتوجه لمحق هذا النبى صلى الله عليه وسلم جهّز صلى الله عليه وسلم ثلاثين ألفا، وخرج من المدينة في وقت صيف كان شديد الحرارة، وبمجرد خروجه من المدينة طارت الأنباء إلى قيصر الروم بخروجه صلى الله عليه وسلم وبينهما ما يزيد عن الألف كيلومتر فما كان من قيصر الروم إلا أن ترك بلاد الشام كلها وذهب إلى عاصمة ملكه في القسطنطينية، رعبا وفزعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك وهي فى شمال الجزيرة.
فلم يجد من الروم جندا ولا جيشا ولا أحدا في مقابلته، فالسلاح الأعظم الذى نصر الله عز وجل به المسلمين فى كل حروبهم في شهر رمضان، فيقول تعالى ” وقذف فى قلوبهم الرعب” ولماذا كان النصر حليف أهل الإيمان فى شهر رمضان بالذات؟ لأن شهر رمضان هو شهر الصبر، فقد قال صلى الله عليه وسلم” الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان” فما شأن الصبر بالنصر؟ فيقول الله عز وجل ” إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا” وقيل بفحص هذه الظاهرة علميا، وجد أن الله تعالى ركب طاقات أعضاء الإنسان جميعا على أن يقوم جزء يسير منها بالعمل في الحياة الطبيعية، وادخر باقى الطاقات حتى تتفجرللمؤمن الصابر في الوقت المناسب، فالعضلات جميعا تعمل ببعض طاقاتها، وعند الاستثارة تعمل بكل طاقاتها، فتقوى عشرة أمثال طاقاتها الأولى.
وكذا طاقات الجهاز العصبى، تعمل عملها الطبيعى، وحتى خلايا الكلية والكبد تعمل بعشر طاقاتها، وعند الطوارئ تراها وقد زاد إنتاجها إلى عشرة أمثالها، فترى المؤمن الصابر عند الطوارئ النفسية، فرحا مستبشرا، لأنه بصبره تزداد طاقة إنتاجه والنتيجة ” إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون” وقد تم فى السنين الأخيرة اكتشاف مادة الأندروفين وهى مادة كيميائية، تفرزها خلايا المخ، خاصة القشرة العليا من فصي المخ، وهى مادة تزداد في دم الإنسان كلما زاد صبره على الآلام المختلفة، وكلما زادت إرادته في إنجاز عمل خاص، وهى التى تعين الإنسان على وقف الألم، وعلى زيادة التحمل، وعلى استقرار طاقاته وهو يواجه الصعوبات والمخاطر، ولذا فالمؤمن تكون قوته في وقت الشدة عشرة أضعاف قوته العادية.
لأنه تدّرع بدرع الصبر، ودرع الصبر لا يكون إلا لأهل الإيمان وهذا حالهم الجلى فى شهر الصبر شهر رمضان، وإننا بفضل الله تعالي نعيش الآن فى شهر من أفضل الشهور، أيامه من خير الأيام، فيها قراءة للقرآن، وذكر لله الكريم الرحمن، وبذل للصدقات، لياليه من أفضل الليالى، فيها قيام وتضرع إلى الله، وفى أول ليلة من لياليه ينادى مناد يا باغى الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين، وفي الجنة باب يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وهو فرصة سانحة للتوبة من العصيان، والعودة إلى الملك الديان، ومضاعفة الحسنات، وتكفير للسيئات، فالحذر الحذر من التعامى والتوانى، والبدار البدار بالتوبة قبل فوات الأوان، وفى رمضان أنزل القرآن، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، لا تنقضي عجائبه.
ولا يبلى من كثرة الترداد، إن تمسكنا به فزنا وسعدنا، وإن فرطنا فيه خبنا وشقينا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين”


