كتب ضاحى عمار
في ظل تصاعد وتيرة الأحداث الإقليمية وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، يبرز مشروع إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي كأحد أخطر التحولات في مسار الصراع، ليس فقط من زاوية مضمونه، بل من حيث دلالاته السياسية والقانونية التي تعكس محاولة واضحة لفرض واقع جديد يقوم على تقنين القتل وإضفاء شرعية تشريعية عليه.
هذا التطور قوبل برفض مصري شامل، لم يقتصر على مستوى الحكومة، بل امتد ليشمل مؤسسات الدولة كافة، من برلمان وأحزاب سياسية ونقابات مهنية، إلى جانب حالة اصطفاف شعبي رافض لهذه الخطوة، باعتبارها تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتجاوزًا لكل الأعراف التي تكفل الحماية للأسرى.
الموقف الرسمي المصري جاء حاسمًا في توصيف هذا القانون باعتباره تصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار المنطقة، ويقوض أي فرص لإحياء مسار سياسي قائم على أسس عادلة. وأكدت مصادر دبلوماسية أن القاهرة تنظر إلى هذا الإجراء باعتباره خروجًا واضحًا عن قواعد القانون الدولي، وتحركًا في اتجاه تكريس منطق القوة على حساب العدالة، وهو ما ترفضه مصر بشكل قاطع.
في السياق ذاته، عبرت المؤسسات التشريعية عن موقف متماسك، حيث شدد نواب وشيوخ على أن إقرار هذا القانون يمثل سابقة خطيرة في تاريخ الصراعات، إذ يفتح الباب أمام شرعنة القتل خارج نطاق القضاء، ويهدد بتفجير موجات جديدة من العنف، في ظل حساسية ملف الأسرى وما يمثله من رمزية عميقة في الوجدان الفلسطيني.
الأحزاب السياسية المصرية، على اختلاف توجهاتها، أعلنت رفضها الكامل لهذا القرار، معتبرة أنه يكشف عن نهج متصاعد يستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات قانونية ظاهرها التشريع وجوهرها الإقصاء. وأكدت أن وحدة الموقف المصري تعكس إدراكًا عميقًا لخطورة المرحلة، وضرورة التحرك العاجل لوقف هذا المسار.
على المستوى المهني، جاء موقف نقابة الصحفيين معبرًا عن هذا الإجماع، حيث أدانت القرار واعتبرته جريمة حرب تضاف إلى سجل الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن استهداف الأسرى يمثل اعتداءً مباشرًا على منظومة القيم الإنسانية، ويقوض ما تبقى من مصداقية للنظام الدولي.
الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني رائد قديح يرى أن هذا القانون يمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الصراع، حيث تنتقل إسرائيل من سياسة الضغط إلى سياسة التصفية المباشرة بحق الأسرى، وهو ما يعكس قناعة متزايدة لديها بغياب ردع دولي حقيقي. ويؤكد أن خطورة هذه الخطوة تكمن في كونها تؤسس لمرحلة يصبح فيها القتل خيارًا مشروعًا داخل منظومة التشريع، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبل الصراع.
ويضيف قديح أن استهداف الأسرى لا ينفصل عن محاولات كسر الإرادة الفلسطينية، باعتبارهم أحد أبرز رموزها، مشيرًا إلى أن هذا المسار جاء نتيجة تراكمات من الصمت الدولي والتعامل الباهت مع الانتهاكات اليومية داخل السجون، ما شجع الاحتلال على المضي قدمًا في سياساته دون خشية من محاسبة.
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي طارق الهواري أن توقيت إقرار هذا القانون يعكس قراءة إسرائيلية دقيقة للمشهد الدولي، في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات متلاحقة، ما أتاح مساحة لتمرير تشريعات كانت في السابق تثير ردود فعل واسعة. ويرى أن غياب موقف دولي حاسم شجع على الانتقال من الانتهاكات الميدانية إلى مرحلة التقنين المنظم للقتل.
الهواري يشير إلى أن الموقف المصري في هذه المرحلة يحمل أهمية خاصة، إذ يعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة تداعيات هذا القانون، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على استقرار المنطقة بأكملها، مؤكدًا أن القاهرة تتحرك في إطار رؤية شاملة تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع إلى مسارات أكثر تعقيدًا.
خبراء الأمن يرون أن المساس بملف الأسرى يمثل نقطة اشتعال محتملة، قد تدفع الأوضاع إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر، نظرًا لما يحمله هذا الملف من حساسية شديدة، وهو ما يفسر حدة الرفض المصري، الذي ينطلق من إدراك عميق بأن استقرار الإقليم لا يمكن فصله عن مسار القضية الفلسطينية.
في ضوء ذلك، يبدو أن مصر، بمؤسساتها كافة، ترسم موقفًا واضحًا لا يقبل التأويل، يقوم على رفض أي محاولات لشرعنة الانتهاكات أو تقويض قواعد القانون الدولي، مع التأكيد على أن حماية الأسرى ليست قضية إنسانية فحسب، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ العدالة.
المشهد في مجمله يكشف عن لحظة فارقة، تتطلب تحركًا يتجاوز حدود الإدانة إلى بناء موقف فاعل قادر على وقف هذا المسار، وإعادة الاعتبار لقيم القانون والإنسان، قبل أن تتحول مثل هذه التشريعات إلى واقع دائم يصعب تغييره.


