الأخلاق وتجنب المؤثرات
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وإن راس المسلم في هذه الدنيا وقت قصير وأنفاس محدودة وأيام معدودة فمن إستثمر هذه اللحظات والساعات في الخير فطوبى له ومن أضاعها وفرط فيها فقد خسر زمنا لا يعود اليه أبدا، وفى هذا العصر الذي تفشى فيه العجز وظهر فيه الميل إلى الدعة والراحة جدب في الطاعة وقحط في العبادة وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة، فو الذي أمات وأحيا والذي أضحك وأبكى إني احبك في الله ولكن كما تعلم فأنا لا احب فيك معصيتك ولقد رأيت تبد يدك للوقت بلا مبالاة وتغافلك عن كل صالح ورشيد أحد الأمراض التي ابتلاك الله بها، فإلى كل من سهر أمام التلفاز لمشاهدة المسلسلات والأفلام والفاتنات من الفتيات المتبرجات وإلى كل أخ إلى كل أخت، أقول لكل منهما إنتبه من غفلتك هذه فهي عليك دمار لم تدركها اليوم ولكن ستدركها غدا.
وأساكم أيها الشباب هل ضيعتم دقيقة في رضا الله أم في غضبه؟ فأنا أحبكم في الله، فالحب في الله بدون نصح لا يجدى بفائدة، فأنا لكم ناصح أمين راجي بأن يجمعنا ربنا في مستقر رحمته، فالوقت فيه العبر والوقت فيه العظات وهو زمن تحصيل الأعمال الصالحة، وإن من الأخلاق هو تجنب المؤثرات فالنفس مائلة لكل جديد، وحريصة على كل مخالفة للشرع، فيبتعد عن كل موقع تعرض فيه مخالفات شرعية، وعن كل منتدى يثار فيه الكلام الفاحش البذيء، وينأى بنفسه عن الصور الفاضحة، واللقطات المثيرة، فإذا نأى بنفسه عن ذلك حفظ إيمانه ونفسه من كل شر، ومن ذلك أيضا هو غض البصر، فكل صورة تعرض على الإنسان ولو بدون قصد يتأثر بها، وتكون موجودة في مخيلته، وخاصة تلك الصور الفاضحة لنساء كاسيات عاريات، وتلك الأفلام الهابطة التي تعرض الجنس بكل صوره.
فإذا تذكر المسلم قول الله عز وجل فى سورة النور” قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أذكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن” ومن طبق ذلك أرضى ربه وارتاحت نفسه، وشعر بنور الإيمان يشع من قلبه، وقال الحسن رضي الله عنه يابن آدم، إنما هي أيام إذا مضى يومك ينقصك، ولهفنا ولهثنا وراء الدنيا نخاف من الفقر ونطمع في جمع الحطام، كأننا نخلد أو نبقى فيها إلى الأبد، نخاف الفقر، ولا نخاف الحساب، نخاف الجوع، ولا نخاف من التقريع والعقاب، وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة، وانظر إلى حال من سلف، كما قال عنهم الحسن البصري والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه.
وقال الفضيل، يفصل واقع الأيام، ويحكى سيرها إنما أمس فعل، واليوم عمل، وغدا أمل، وإنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، وكتب بعض السلف إلى أخ له يا أخي يخيل إليك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقا حثيثا، الموت متوجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك وما مضى من عمرك فليس بكار عليك يوم التغابن، ونحن نسير في ركب الزاهدين وتمر بنا قوافل الصالحين، كيف نرى الجمع بين الدنيا والآخرة، وبين الزهد والقناعة، وقال علي بن الفضيل سمعت أبي يقول لابن المبارك أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة.
ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال يا أبا علي، إنما أفعل ذلك لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال يا ابن المبارك ما أحسن هذا إن تم هذا، فكيف ترانا على هذه الدنيا؟ وما أحسن الدنيا إذا أتت من حلال وصرفت في حلال فأوجه الخير لا تحصى، فمن صدقة، إلى إعانة ملهوف، ونجدة مصاب إلى رعاية أرامل، وكفالة أيتام، فقال سفيان الثوري احذر سخط الله في ثلاث، احذر أن تقصر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئا من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك، وإن من قسم الأرزاق في هذه الدنيا هو الله، فلا بد أن ترضى لما قسم لك قل أو كثر أتى أو ذهب، وسواء أقبلت الدنيا أو أدبرت، لا بد أن ترضى بنصيبك منها ولا تشغل بالك، فلا تتسخط لما قسم لك الله، ولا تنظر إلى من أعلى منك دنيا، ولكن انظر إلى الصالحين الأخيار.

