الإستغناء بالكسب الحلال عن الفقر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي نوّر بالقرآن القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، أحمده سبحانه وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، معلم الحكمة وهادي الأمة صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا أما بعد لقد أمرنا الله سبحانه وتعالي بالسعي في الارض بحثا عن الرزق، فقال تعالي ” فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور” ومما أثر عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه ” يا بني إستغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما أفتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، ومما أوصى به قيس بن عاصم أولاده ” عليكم بالمال وإصطناعه فإنه منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل ”
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكسبة في دناءة خير من سؤال الناس” وعنه رضي الله عنه قال ” إن الله خلق الأيدي لتعمل فإن لم تجد في الطاعة عملا وجدت في المعصية أعمالا ” وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يتاجر بالزيت ويقول والله ما للرغبة في الدنيا ولكن أصون نفسي وأصل رحمي” وكان إبراهيم بن أدهم إذا قيل له كيف أنت ؟ قال بخير ما لم يتحمل مؤنتي غيري، وإن أثر العمل ليس قاصرا على الكفاف والإغتناء عن الناس فقط، بل يعتبره الإسلام تكفيرا عن الذنوب، فقد قال بعض السلف إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة، وإن أجسام الناس ما هي إلا آلات يجب إعمالها وعدم تعطيلها وإلا دمرها العجز والخور والشلل، وصارت إلى الموت البطئ والإسترخاء والصدأ، وتحولت إلى أداة تعويق للحياة الإجتماعية ونموها.
بدلا من أن تكون أداة قوة ونماء وإزدهار، وهذا ما كان يغرسه الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه حينما يتوجع أحدهم أو يتمارض أو يركن إلى الخمول والكسل، معتمدا في ذلك على صدقات المحسنين، مع قدرته على الكسب والعمل، فإذا جاء أحدهم إليه صلى الله عليه وسلم يسأله مالا، وكان قويا على العمل وجهه إلى العمل وحثه عليه، وبين له أن العمل مهما كان محتقرا في أعين الناس فهو أشرف للإنسان من التسول والمسألة، ومما يروى في ذلك أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال أما في بيتك شيء؟ قال بلى، حلس نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال ائتني بهما، قال فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال “من يشتري هذين؟ قال رجل أنا آخذهما بدرهم، قال من يزيد على درهم؟
الإستغناء بالكسب الحلال عن الفقر
مرتين أو ثلاثا، قال رجل أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال اشتري بأحدهما طعاما فأنبذه إلى أهلك، واشتري بالآخر قدوما فأتني به، فأتاه به، فشد فيه صلى الله عليه وسلم عودا بيده، ثم قال اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع ” رواه أبو داود والترمذي، فالرسول صلى الله عليه وسلم لقن هذا الرجل درسا لا ينساه، وبهذا سد الرسول صلى الله عليه وسلم بابا من أبواب الكسل والتواكل.
الإستغناء بالكسب الحلال عن الفقر
فلو أن الرسول أعطاه من الصدقة لفتح بذلك الباب على مصراعيه للكسالى والمتواكلين، ولأصبحت هذه مهنتهم كما هي مهنة الكثيرين في هذا العصر، وما يرى من أمثال هؤلاء في الموصلات والشوارع والطرقات لأقوى دليل على ذلك، لهذا كله حرم الإسلام البطالة والكسل والركود لأن ذلك يؤدي إلى إنحطاط في جميع مجالات الحياة، فإنه يؤدي إلى هبوط الإنتاج، وتخلف الأمة، وإنتشار الفوضي، وكثرة المتواكلين، إضافة إلى المذاق الغير الطبيعي للقمة العيش وخاصة إذا حصل عليها الكسول من عرق جبين غيره.