بقلم / محمـــد الدكـــروري
فى شهر رمضان يوم السبت للأول من رمضان من عام سبع مائة واثنين من الهجرة كانت موقعة شقحب، واستمرت إلى اليوم الثاني بين التتار والجيوش الإسلامية، وشارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وكانت الغلبة فيها للمسلمين، وقال ابن كثير رحمه الله، وحرّض ابن تيمية، السلطان على القتال وبشّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضا، وكان يدور على الأطلاب والأمراء، فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل، فيأكل الناس” وإن منزلة الجهاد في الإسلام عالية، ولهذا كانت مرتبة الشهداء الثالثة بعد مرتبة النبوة والصديقية، فقال الله تعالى فى سورة النساء ” ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبييت والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا”
بل إن منزلة الجهاد في الإسلام بمنزلة السنام من الجمل، والسنام هو أعلى وأرفع جزء من الجمل، فعن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له “رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد” والجهاد في سبيل الله لا يعدله شيء فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال “لا أجده” قال “هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر”؟ قال ومن يستطيع ذلك؟ قال تعالى فى سورة النساء ” وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما” وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال “إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض.
فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أراه فوق عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة” ولقد أمرنا الله عز وجل بالجهاد وجعل له مكانة عظيمة في الإسلام، ولكن لقد شوهت صورة الجهاد، وحيكت للقضاء عليه مؤامرات عديدة، وأن الجهاد كان فى حقبة من الزمان، وفى عهد التسلط والكهنوت، وأما اليوم فقد أصبح العالم كالقرية الواحدة، وأصبح العدل منشرا، فلا داعي للقتال، فهؤلاء المنافقون الذين يتنازلون عن أهم مبادئ دينهم في حين نجد الغرب الكافر يغزوهم في عقر دارهم، دمر المدن والقرى، وقتل الأطفال والنساء، وهتك الأعراض، وانتشرت بسببه الأمراض، ونهبوا خيرات المسلمين، ونجد الرويبضة يستسلمون لهم ويسلمون الأمور، ثم يعودون على مبادئ دينهم بالسلب والثلب، ولا يكون الجهاد عندهم جهادا إلا إذا وافق مصالحهم وأغراضهم.
ونحن نسمع عن جهاد المسلمين في رمضان، وما حققوه من انتصارات عظيمة، وفتوحات باهرة، نرى كثيرا من المسلمين اليوم قد وهنت نفوسهم، وضعفت عزائمهم، وخارت قواهم، وغرس حب الدنيا وكراهية الموت في قلوبهم، فهم يسرحون ويمرحون، ويتابعون المسلسلات والملهيات فى شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات التى حققها أسلافنا وأجدادنا، ونرى البعض منهم يقضى نهاره في النوم والكسل، وليله فى الإفراط فى تناول الطعام والشراب، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات، والسهر على المحرمات ونرى فئة أخرى فهمت أو ظنت أن رمضان فرصة للإكثار من العمل للدنيا، واللهث وراء جمع حطامها الفاني، فنرى الأسواق في رمضان مزدحمة، والباعة أصواتهم بالتهريج مبحوحة، والنساء إلى الأسواق متوجهات، وللرجال مزاحمات، ولأطفالهن مضيعات، ولأزواجهن وخالقهن مسخطات، ومع هذا كله نريد ونتمنى أيها المسلمون من الله نصرا.
ويتساءل البعض منا لماذا لم ينصرنا الله، ولماذا سلط الله علينا أحقر خلقه من اليهود والنصارى؟ ولماذا صرنا في مؤخرة الركب بعد أن كنا فى المقدمة؟ ولماذا ولماذا؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة، وللإجابة عنها نقول إن الله قد وعدنا بالنصر والتمكين، وهو لا يخلف الميعاد، وهو أصدق القائلين، وأحكم الحاكمين، فقال تعالى فى سورة الروم ” وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون” وقال تعالى أيضا فى سورة الروم ” وكان حقا علينا نصر المؤمنين” وقال تعالى أيضا فى سورة الصافات “ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون” وقال تعالى أيضا فى سورة النور ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون”


