الحادى عشر من نوفمبر بين الأسطورة والواقع رحلة فى تواريخ الغموض وذاكرة الطقوس
كتب/أيمن بحر
حين يتم ربط اسم شخصية مثيرة للجدل مثل جيفرى إبستين بتاريخ محدد وليكن الحادي عشر من نوفمبر فإن الأمر يتجاوز فى نظر البعض حدود المصادفة إلى مساحة أوسع من التأويل والبحث عن الرموز فبعض الأيام فى المخيال الشعبى تحمل دلالات خاصة وتتحول مع الزمن إلى مفاتيح لسرديات كبرى عن السر والخفاء والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يحاط هذا التاريخ تحديدًا بكل هذا الغموض ولماذا يتكرر فى روايات تتحدث عن طقوس وأساطير عبر القرون
فى التراث الأوروبى القديم ارتبطت تواريخ بعينها بحكايات عن عوالم خفية وكائنات خارقة ومن بينها روايات نسبت إلى بحارة الشمال ومحاربى الفايكنج تتحدث عن يوم تعبر فيه قوى الظلام إلى عالم البشر فى صورة مغرية قبل أن تنكشف حقيقتها المخيفة وهى سرديات تشبه فى بنيتها قصة فاوست الشهيرة التى تقوم على فكرة المقايضة بين الرغبة والروح وهى فكرة تكررت فى الأدب الغربي بوصفها تحذيرًا أخلاقيًا أكثر من كونها توثيقًا تاريخيًا
ومع انتقالنا إلى العصور الوسطى تظهر جماعة فرسان الهيكل التى أحاطتها الشائعات والاتهامات منذ سقوطها في مطلع القرن الرابع عشر فقد وجهت إليهم اتهامات بالهرطقة وممارسة طقوس سرية وكانت تلك الاتهامات جزءًا من صراع سياسى وديني معقد انتهى باعتقال قيادات الجماعة عام 1307 وهو الحدث الذي التصق به فيما بعد التشاؤم من يوم الجمعة الثالث عشر ومع مرور الزمن تحولت تلك الوقائع إلى مادة خصبة لنظريات المؤامرة والكتابات التى تمزج بين التاريخ والخيال
فى مطلع القرن العشرين يبرز اسم أليستر كراولي الشخصية الجدلية التى ارتبطت بحركات روحية غامضة وبجماعات مثل الفجر الذهبى وقد زار مصر بالفعل وكتب عن تجاربه الروحية والفلسفية التى تمحورت حول مفهوم الإرادة والرغبة لكن كثيرًا مما نُسب إليه من طقوس وأحداث فى تواريخ بعينها يظل محل جدل بين الباحثين بين ما هو موثق وما هو من إنتاج الخيال الشعبى الذى يضخم كل ما هو غامض
ومع اتساع وسائل الإعلام فى العقود الأخيرة تكررت بين الحين والآخر قصص عن احتفالات أو تجمعات نسبت إلى عبدة الشيطان في تواريخ متشابهة وغالبًا ما كانت تلك الروايات تمتزج فيها الحقائق بالشائعات وتغذيها أجواء القلق الاجتماعي والتحولات السياسية التي تجعل المجتمعات أكثر قابلية لتصديق السرديات الخارقة
أما الربط بين شخصيات معاصرة أو أحداث سياسية حديثة وبين هذا التاريخ بعينه فيبقى في إطار التحليل الرمزي لا أكثر إذ لا توجد أدلة موثقة تثبت وجود نمط تاريخي منظم يتكرر عبر القرون في اليوم ذاته بقدر ما توجد رغبة إنسانية قديمة في البحث عن معنى خفي وراء تزامن الأرقام والأحداث
الحادي عشر من نوفمبر إذن يبدو في كثير من هذه الروايات مرآة لقلق الإنسان من المجهول أكثر من كونه يومًا يحمل قوة غيبية خاصة فالتاريخ يعلمنا أن الأساطير تنشأ حين تختلط الوقائع بالخيال وأن الغموض يغري العقول بصياغة قصص كبرى تفسر العالم بلغة الرمز لا بلغة الوثيقة وبين الأسطورة والواقع تبقى الحقيقة دائمًا بحاجة إلى تدقيق وتمحيص بعيدًا عن الانبهار أو الانسياق وراء كل ما يروى دون سند
ويبقى القول الفصل أن قوة المجتمعات لا تقاس بانتشار الحكايات عن عوالم الظلام بل بقدرتها على التمييز بين ما هو موثق وما هو متخيل وبين البحث العلمي الرصين وسحر السرد الذي قد يأسر العقول لكنه لا يغني عن الدليل
الحادى عشر من نوفمبر بين الأسطورة والواقع رحلة فى تواريخ الغموض وذاكرة الطقوس

