الرئيسيةمقالاتالحقيقة من وراء الدراما
مقالات

الحقيقة من وراء الدراما

الحقيقة من وراء الدراما

بقلم: وليد وجدي

لم تكن الدراما المصرية يومًا مجرد وسيلة للترفيه أو قتل الوقت، بل كانت ولا تزال مرآة صادقة تعكس واقع المجتمع، وتكشف ما خفي من حقائق، خاصة في القضايا المصيرية التي تمس الأمن الفكري والهوية الوطنية. ومن بين أخطر هذه القضايا، جاءت الأعمال الدرامية لتسلّط الضوء على الوجه الآخر لجماعة الإخوان المسلمين، ذلك الوجه الذي طالما حاولت الجماعة إخفاءه خلف شعارات دينية براقة، ومصطلحات زائفة استُخدمت لخداع البسطاء والمغلوب على أمرهم.

على مدار سنوات طويلة، نجحت الجماعة في التغلغل داخل عقول قطاع من الشباب، مستغلة الحماس الديني، وضعف الوعي السياسي، والظروف الاقتصادية الصعبة. رفعت شعارات الحفاظ على الدين ونصرة الإسلام، بينما كانت الممارسات على أرض الواقع تسير في اتجاه مغاير تمامًا، قائم على السمع والطاعة، وتقديس القيادات، وإقصاء كل من يختلف في الرأي، وصولًا إلى العنف والتخريب باسم “الغاية تبرر الوسيلة”.

جاءت الدراما المصرية، خصوصًا في السنوات الأخيرة، لتكسر حاجز الصمت، وتفتح ملفات شديدة الحساسية كانت حتى وقت قريب من المحرمات. ملفات كشفت حجم الخداع الذي تعرّض له كثير من الشباب، وكيف تم تسويق فكرة “الخلافة” و“التمكين” كحلم مقدس، بينما كانت الحقيقة ترتكز على تخابر مع قوى خارجية، وسعي واضح لإضعاف الدولة الوطنية، وطمس الهوية المصرية لصالح مشروع عابر للحدود لا يعترف بالأوطان.

لم تتناول الدراما هذه القضايا من فراغ، بل استندت إلى وقائع حقيقية وأحداث شهدها المجتمع المصري، بداية من محاولات السيطرة على مؤسسات الدولة، مرورًا بزرع الفتن الطائفية، وصولًا إلى الدفع بالبلاد نحو ما يُعرف بـ“الفوضى الخلّاقة”، وهي الخطة التي استهدفت إسقاط الدول من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر نشر الفوضى، وإشعال الصراعات، وهدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

وما يميّز هذه الأعمال الدرامية أنها لم تعتمد على الخطاب المباشر أو الشعارات الجوفاء، بل قدّمت شخصيات واقعية، ولحظات إنسانية صادقة، كشفت الصراع النفسي داخل العناصر المنتمية للجماعة، وكيف يتحوّل الفكر المتطرف تدريجيًا من دعوة ناعمة إلى سلاح موجّه ضد الوطن وأبنائه. فكانت الرسالة أقوى، وأكثر تأثيرًا، لأنها خرجت من رحم الواقع، ودخلت كل بيت مصري بلا استئذان.

وفي المقابل، لم تغفل الدراما دور الدولة ومؤسساتها الوطنية، وعلى رأسها المنظومة المسؤولة عن حماية تراب هذا الوطن، التي وقفت سدًا منيعًا أمام محاولات الانهيار، وقدّمت تضحيات جسيمة للحفاظ على استقرار البلاد. تضحيات لم تكن يومًا محل دعاية، بل واجب وطني فرضته اللحظة التاريخية، لحماية مصر من مصير دول سقطت في براثن الإرهاب والفوضى.

إن خطورة الجماعات المتطرفة لا تكمن فقط في العنف المسلح، بل في قدرتها على التلاعب بالعقول، وتزييف الوعي، وتقديم الباطل في صورة الحق. وهنا يأتي الدور الحقيقي للدراما كأداة من أدوات الوعي المجتمعي، تسهم في تحصين الأجيال الجديدة، وفضح أساليب الاستقطاب، والتنبيه إلى أن الدين بريء من تلك الممارسات التي شوّهت صورته، وأساءت إلى جوهره القائم على الرحمة والعدل.

تحية تقدير لصنّاع الدراما المصرية، الذين تحمّلوا مسؤولية وطنية قبل أن تكون فنية، فواجهوا الفكر بالفكر، والكلمة بالكلمة، وساهموا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، مؤكدين أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في العقل أولًا. فبالعقل الواعي تُحمى الأوطان، وبالفن الصادق تُكشف الحقائق، وتبقى مصر، كما كانت دائمًا، عصيّة على السقوط.

 

الحقيقة من وراء الدراما

Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *