الزناتى حين يُعاد رسم الخيال يصنع الوعى من رحم الفن
كتب ضاحى عمار
من قلب القاهرة التى لا تنام على حكاية واحدة، يتشكّل الآن مشهد ثقافى جديد يراهن على المستقبل من بوابة الأصغر سنًا، لا بوصفهم متلقّين صامتين، بل شركاء فى صناعة الغد. المشهد يتحرّك بهدوء، لكنه محمّل بطاقة تغيير كبيرة، يقوده قلم صحفى يعرف تفاصيل اللعبة ويختار أن يلعبها بذكاء وهدوء معًا؛ حسين الزناتى، الذى يبدو وهو يتقدّم الصفوف لا باعتباره رئيس تحرير فحسب، بل كمهندس رؤى يسعى لإعادة ترتيب علاقة المجتمع بأبنائه.
فى القاعة التى امتلأت بالوجوه المهتمة، لم يكن الحديث مجرّد كلمات تُلقى، بل وعد مفتوح بما هو قادم. الفنون تتحوّل من زينة على الهامش إلى عمود أساسى فى بناء الشخصية، والوعى لم يعد ترفًا، بل ضرورة تمشى جنبًا إلى جنب مع الحياة اليومية. الزناتى، بصوته الواثق ونبرته القريبة من القلب، يرسم ملامح مرحلة لا تُقاس بعدد الأجهزة الحديثة، بل بعمق الرسائل التى تصل إلى العقول الصغيرة وتستقر فيها.
الرهان الحقيقى اليوم لا يدور حول الوسيط، بل حول الروح التى تسكنه. لا صراع بين الورق والعالم الرقمى، وإنما معركة مفتوحة بين مضمون يصنع الأمل وآخر يزرع الفراغ. الزناتى يقرأ المشهد بعيون الصحفى الذى خبر التفاصيل، فيؤكد أن الصغير قادر على التفاعل مع أى مساحة تُقدَّم له بذكاء، بلا أوامر مباشرة أو وصاية ثقيلة، وأن الجاذبية الحقيقية تولد حين يُحترم خياله ويُمنح مساحة للتجريب والاكتشاف.
فى كلماته، لا يتهرّب أحد من المسؤولية. أصابع الاتهام لا تتجه إلى الأبناء، بل تعود إلى من يصنعون الرسائل ويغلفونها أحيانًا بسطحية لا تناسب زمنًا سريع الإيقاع. من هنا يطرح الزناتى فكرة أكبر من مبادرة أو فعالية؛ يتحدث عن خريطة طريق متكاملة، تتلاقى فيها المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مع الأسرة فى مشروع واحد واضح المعالم، لأن تشكيل الوجدان ليس عملاً موسميًا، بل معادلة طويلة النفس.
الندوة التى احتضنها معرض القاهرة الدولى للكتاب لم تكن مجرد منصة نقاش، بل مختبر أفكار. وجوه متخصصة، أصوات ثقافية، ونقاشات تمتد من المسرح إلى الموسيقى إلى الحكاية المصوّرة، وكلها تلتقى عند نقطة واحدة: كيف نصنع جيلًا قادرًا على التفكير، لا مجرد الاستهلاك؟ الزناتى يتحرّك وسط هذا المشهد كقائد أوركسترا هادئ، يربط الخيوط ببراعة، ويذكّر الحضور بأن تكلفة البناء الآن أقل بكثير من ثمن الإصلاح لاحقًا.
التكنولوجيا فى رؤيته ليست خصمًا، بل جسرًا يمكن العبور عليه إذا أُحسن بناؤه. يتحدث عن منصات رقمية تحترم القيم وتفتح أبواب الخيال بدل أن تغلقها، وعن ضرورة وجود صوت إعلامى موجّه للصغار يعكس ملامحهم ولغتهم وأحلامهم. لا يكتفى بالنقد، بل يستدعى تجارب راسخة ويطالب بتطويرها لتواكب الزمن دون أن تفقد روحها.
الحديث يتحوّل تدريجيًا من التنظير إلى الفعل. الزناتى لا يريد أفكارًا حبيسة القاعات المكيفة، بل برامج تمتد إلى الأحياء والقرى والمدن البعيدة، تصل إلى الصغير حيث يقف، لا حيث يفترض الآخرون أن يكون. مشروع ثقافى مؤسسى واضح الاتجاه، لا يكتفى بالاحتفال، بل يبنى تراكمًا حقيقيًا فى الوجدان.
فى زاوية أخرى من النقاش، يطلّ ملف الهواتف الذكية برأسه. ليس رفضًا مطلقًا ولا قبولًا بلا ضوابط، بل دعوة إلى تنظيم واعٍ يحمي الصغار من محتوى يسرق براءتهم دون أن يعزلهم عن عالمهم. الزناتى يحذّر من الإفراط الذى يبتلع الكلمة ويهمّش الصحافة الرصينة، لكنه فى الوقت نفسه يفتح بابًا واسعًا لاستخدام الأدوات الحديثة بما يخدم التربية والجمال معًا.
مع كل فقرة، يتضح أن الرجل لا يتحدث عن قضية هامشية، بل عن ملف يمسّ الأمن الثقافى للمجتمع. الفن فى نظره ليس ترفًا يُمنح وقت الفراغ، بل ركيزة تُغذّى العقل وتمنح الروح اتساعًا. هنا تتلاقى الصحافة مع الثقافة، والخبرة مع الحلم، فى رؤية تتطلع إلى غدٍ أكثر تماسكًا.
وفى الختام، لا يترك الزناتى القاعة وهو خلف ميكروفون فقط، بل وهو يزرع فكرة فى كل حاضر: أن المستقبل يبدأ الآن، من عقل صغير يُنصت، وخيال يُطلق، وثقافة تُبنى بوعى ومحبة. المشهد كله يبدو وكأنه بداية فصل جديد، تُكتب كلماته اليوم، لكن تأثيرها سيُقرأ غدًا.
وسط هذا المشهد المتشابك بين الحلم والمسؤولية، يبدو الزناتى وكأنه لا يكتفى بتشخيص الواقع، بل يدفعه خطوة إلى الأمام، محوّلًا الحديث إلى طاقة تدفع الجميع للتحرك. الفنون عنده ليست محطة أخيرة فى مسار التربية، بل تيار دائم يسرى فى كل تفاصيل حياة الطفل، يصقل عقله ويمنحه قدرة على الفهم والاختيار، ويصنع داخله مساحة للدهشة والأسئلة. وبين ما يُقال اليوم وما سيُبنى غدًا، تتبلور قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقى يبدأ من عقل صغير يُنصت، وخيال يُطلق بلا قيود، وثقافة تُزرع بوعى وصبر لتصنع مجتمعًا أ
كثر تماسكًا وإنسانية.
الزناتى حين يُعاد رسم الخيال يصنع الوعى من رحم الفن


