الشيخ عنتر الهنداوي قيثارة السماء وصوت من نور
——————————————————
كتب اشرف زيدان المحامى
يخرج من محافظة البحيرة دائما رجال اصحاب اثر، لكن القليل فقط يتركون بصمة في القلوب قبل الاذان، ومن بين هؤلاء يسطع اسم الشيخ عنتر الهنداوي، القارئ العظيم وصاحب الصوت العملاق الذي لا يمر على الاذن مرورا عاديا، بل يتسلل مباشرة الى القلب فيحرك المشاعر وتدمع له العيون دون استئذان.
الشيخ عنتر ليس مجرد قارئ يتقن احكام التلاوة، بل هو حالة روحانية متكاملة، حين يبدأ في التلاوة تشعر وكأنك انتقلت من ضجيج الدنيا الى سكون السماء، صوته يحمل رهبة الايات وجلال المعاني، وفي الوقت نفسه يفيض بالرحمة والخشوع، فيجمع بين القوة واللين في توازن نادر لا يجيده الا الكبار.
نشأ الشيخ عنتر بارك الله في عمره في بيئة قرانية اصيلة داخل محافظة البحيرة، حيث حفظ كتاب الله في سن مبكرة، وتربى على حب القران واحترام حروفه ومعانيه، ولم يكن هدفه يوما مجرد الشهرة او الانتشار، بل كان همه الاول وشغله الشاغل ان يؤدي رسالة القران كما ينبغي، بصدق وخشية واحساس صادق يصل الى كل من يستمع.
ما يميز فضيلته عن غيره هو ذلك الصوت الملائكي الذي وهبه الله له، صوت عريض الطبقات، قادر على الانتقال بين المقامات بسلاسة دون تكلف، فتشعر وكأن الايات تنزل عليك للمرة الاولى، ومع كل مد وكل وقف، تجد قلبك ينصت قبل اذنك، وكأن القران يعاد اكتشافه من جديد.
عندما يتلو سيادته ايات الرحمة، تشعر بالطمأنينة تغمرك، وكأن الله يربت على قلبك، وحين يقرأ ايات الوعيد، تهتز الروح قبل الجسد، فتدمع العين وتلين القلوب، وهذه القدرة النادرة على التأثير ليست صناعة تدريب فقط، بل هي موهبة ربانية صقلها بالاخلاص والاجتهاد.
شارك الشيخ عنتر الهنداوي في العديد من المناسبات الدينية والمحافل القرانية، داخل البحيرة وخارجها، وكان حضوره دائما لافتا، ليس بالصوت فقط، بل بالوقار والادب والخشوع الظاهر في ملامحه وادائه، فهو قارئ يعيش الاية قبل ان ينطقها، ولذلك تصل تلاوته صادقة غير متكلفة.
يحبه الناس لانهم يشعرون بصدقه، ويستمعون اليه لانهم يجدون في صوته راحة لا توصف، كثيرون يقولون ان تلاوته تبكي القلوب قبل العيون، وان صوته يعيد ترتيب الداخل ويوقظ الضمير، وهذه شهادة لا تنال الا من قارئ وهب نفسه للقران لا لغيره.
الشيخ عنتر الهنداوي هو واحد من اولئك القراء الذين يذكروننا بزمن التلاوة الخاشعة، زمن كان القران فيه رسالة قبل ان يكون اداء، وهو امتداد مشرف لمدرسة القراء الكبار الذين جعلوا من التلاوة عبادة حقيقية لا استعراضا.
وفي زمن كثرت فيه الاصوات، يبقى صوت الشيخ عنتر مميزا، لانه لا ينافس احدا، ولا يقلد احدا، بل يقرأ كما يشعر، ويؤدي كما يؤمن، ولذلك سيظل اسمه محفورا في ذاكرة كل من سمعه بقلبه قبل اذنه.
رحم الله من علمه، وبارك في صوته، وجعل القران ربيع قلبه ونور دربه، وجعل صوته سببا في هداية وراحة ودمعة صادقة من قلب منكسر.
العنوان
مدينة دمنهور بحيره الشارع الجديد خلف مستشفى الصدر

