بقلم/نشأت البسيوني
يقضي الإنسان سنوات طويلة وهو يصعد درجات الحياة درجة بعد درجة يظن أن كل ما يفعله يقربه من لحظة الوصول إلى المكان الذي تخيله دائما المكان الذي سيشعر فيه أخيرا أن كل التعب كان له معنى وأن الطريق الطويل لم يكن مجرد رحلة بلا نهاية وفي أثناء الصعود ينشغل بالكثير من الأشياء انشغال بالمنافسة أحيانا وانشغال بإثبات نفسه أحيانا أخرى وانشغال بإرضاء توقعات الناس
الذين يراقبون خطواته من بعيد فيصبح تركيزه كله على فكرة الوصول دون أن ينتبه كثيرا لما يمر به أثناء الطريق ومع مرور السنوات يصل إلى لحظة يقف فيها كأنه وصل إلى الطابق الأخير من الرحلة ينظر حوله ويتأمل كل ما حدث في الطريق فيكتشف شيئا لم يكن يفكر فيه من قبل يكتشف أن قيمة الرحلة لم تكن في النهاية التي كان يسعى إليها فقط بل في كل خطوة صغيرة قطعها
وفي كل تجربة غيرت جزءا من تفكيره يفهم أيضا أن الإنسان حين يركض طوال الوقت نحو القمة قد ينسى أن ينظر إلى المشهد الذي يمر به أثناء الصعود وأنه قد يضيع تفاصيل جميلة كانت كفيلة بأن تجعل الرحلة نفسها أكثر معنى وعندما يتأمل ما مر به يدرك أن الطابق الأخير ليس مكانا محددا يصل إليه الإنسان مرة واحدة بل هو لحظة وعي يفهم فيها أن الطريق والحلم والتجربة كلها أجزاء
من قصة واحدة وأن النجاح الحقيقي ليس في الوقوف في الأعلى فقط بل في أن يفهم الإنسان لماذا صعد منذ البداية في تلك اللحظة يبتسم بهدوء لأنه لم يعد ينظر إلى الحياة كسباق طويل بل كرحلة مليئة بالمحطات التي شكلت شخصيته خطوة بعد خطوة حتى وصل إلى هذا الفهم الذي لم يكن ليتعلمه لو لم يبدأ الصعود من أول درجة


