العين الحمراء لواشنطن الرد الروسى الصينى الإيرانى يعيد رسم خريطة القوة العالمية ويكسر وهم الهيمنة الأمريكية
كتب/أيمن بحر
الرد الروسى الصينى الإيرانى على الولايات المتحدة لم يعد مجرد بيانات أو رسائل دبلوماسية بل انتقل إلى مرحلة الفعل المباشر وإعادة رسم موازين القوة فى النظام الدولى فى مشهد يؤكد أن العالم لم يعد أحادي القطبية وأن زمن الهيمنة المنفردة يقترب من نهايته
من يخاصم الجميع يخسر فى النهاية قاعدة قديمة تتكرر عبر التاريخ وتجسدت اليوم فى سلوك الإدارة الأمريكية التى اختارت التصعيد المتزامن مع أكثر من قوة كبرى وهو الخطأ نفسه الذي دفع قوى عظمى سابقة إلى السقوط عندما استهانت بخصومها واعتقدت أن القوة وحدها كافية لحسم كل المعارك
التحركات الأمريكية الأخيرة ضد روسيا عبر الاستيلاء على سفن ترفع العلم الروسى ومن داخل نطاق ما يعرف بأسطول الظل لم تكن مجرد رسالة ضغط بل كانت اختبارا لصبر موسكو غير أن تكرار الخطوة كشف عن حالة من الثقة المفرطة التي عادة ما تسبق الأخطاء الاستراتيجية الكبرى
فى الوقت نفسه لم تكتف واشنطن بالتصعيد مع روسيا بل سعت إلى إرباك حلفائها وفى مقدمتهم إيران عبر تحريك ملفات داخلية ومحاولة استثمار الاحتجاجات وإشعال الشارع الإيراني بما يضعف أحد أهم أعمدة الدعم الروسي فى مواجهة الغرب ويمنح تل أبيب مساحة أوسع للتحرك في الإقليم
غير أن الحسابات الأمريكية اصطدمت بواقع أكثر تعقيدا حيث نجحت طهران في احتواء المشهد داخليا عبر تشديد القبضة الأمنية وتحريك قواعدها الشعبية لتأكيد شرعية النظام وتصوير ما يحدث باعتباره تدخلا خارجيا لا حراكا شعبيا خالصا بالتوازي مع رد غير تقليدى تمثل فى هجوم سيبرانى واسع أربك الداخل الإسرائيلي وأثار حالة هلع حقيقية بعد وصول رسائل تحذير مباشرة للمستوطنين مرفقة ببياناتهم الشخصية
أما الصين فقد قرأت المشهد بهدوء وامتنعت عن الانجرار إلى فخ تايوان رغم التصريحات الأمريكية التي بدت في ظاهرها مهادنة لكنها في جوهرها محاولة لدفع بكين إلى مواجهة تستنزفها إقليميا وتمنح واشنطن هامشا أوسع للمناورة فى ملفات أخرى وهو ما يفسر حالة الصمت الحذر التي تتبناها القيادة الصينية فى هذه المرحلة
فى قلب هذا المشهد جاء الرد الروسي الأكثر وضوحا حيث تحركت موسكو على أكثر من مسار فى آن واحد فعززت شراكتها العسكرية مع إيران عبر استكمال صفقات نوعية وتبادل تقني متقدم بالتنسيق مع الصين ثم انتقلت إلى الرسالة الأقسى باستخدام ضربات دقيقة في أوكرانيا استهدفت معدات وطائرات غربية الصنع في رسالة مباشرة مفادها أن المساس بالمصالح الروسية سيقابل بضرب المصالح المقابلة دون تردد
الضربات الروسية التي اقتربت من حدود حلف الناتو حملت أبعادا سياسية وعسكرية تتجاوز الساحة الأوكرانية لتؤكد أن موسكو لا تزال تملك أوراق ردع قادرة على قلب الطاولة متى اقتضت الحاجة وأنها لا تتعامل مع الاستفزازات باعتبارها أحداثا منفصلة بل كجزء من صراع أوسع مع واشنطن
هذا التناغم الواضح بين موسكو وبكين وطهران لم يأت من فراغ بل يعكس إدراكا مشتركا بأن المرحلة الحالية تتطلب تنسيقا عميقا لمواجهة سياسات الضغط الأمريكية وأن الرد الجماعي أكثر تأثيرا من التحركات المنفردة وهو ما بدا واضحا في تراجع حدة الخطاب الأمريكى ومحاولة امتصاص التوتر عبر تصريحات تهدئة وتحميل الناتو مسؤولية أى تصعيد مستقبلي
المشهد الراهن يؤكد أن غرور القوة قد يدفع إلى مكاسب تكتيكية سريعة لكنه غالبا ما يفتح الباب أمام خسائر استراتيجية أعمق وأن النظام الدولي يشهد تحولا حقيقيا نحو تعددية قطبية تفرض على الجميع إعادة الحسابات لأن من يعادى الجميع فى وقت واحد نادرا ما يخرج منتصرا في النهاية

