الفتنة في عهد المأمون
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في محنة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله أنها بدأت الفتنة بالقول في خلق القرآن في آخر خلافة المأمون بن هارون الرشيد وهو سابع خلفاء بني العباس وقد كان تلميذا لأبي الهذيل العلاف المعتزلي وكان الداعي لها أحمد ابن أبي دؤاد وقد سجن الأمام أحمد بسبب صموده في وجه الفتنة في عهد المأمون، ثم مرض ومات وأوصى أخاه المعتصم أن يواصل في محنة خلق القرآن، وكان المعتصم موصوفا بالجهل وقد أمر بضرب الأمام أحمد فضرب حتى خُلعت يداه، ثم رق له المعتصم وقال لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك ولكن ابن أبي دؤاد كان يخوفه سوء العاقبة إن هو خلى سبيله ثم أطلق في عام مائتان وعشرين من الهجرة، وبقي سبع سنين طليقا حتى مات المعتصم وتولى بعد المعتصم ابنه الواثق ولم يؤثر عنه أنه الحق بالإمام أحمد أذن أو محنة في الفتنة.
إلا أن ابن دؤاد ما زال يحرك الفتنة حتى كتب الواثق إلى عامله إسحاق ابن إبراهيم ينهى فيه الأمام أحمد عن التحديث واختباء بين داره ودور أصدقائه وما زال كذلك حتى هلك الواثق سنة مائتان واثنين وثلاثين من الهجرة، وفي عهد المتوكل جعفر ابن المعتصم محمد ابن هارون الرشيد رفع الله به المحنة وأظهر السنة وأفل نجم التجهم والإعتزال، وكتب بذلك إلى الآفاق سنة مائتان وأربعة وثلاثين من الهجرة، ولما أفلت الفتنة في عهد المعتصم كان من سمو نفس الأمام أحمد بن حنبل وعالي خلقه وشرف طبعه هو إعلانه العفو عن كل من آذاه وإنه في حل إلا صاحب بدعة، وجعل المعتصم في حل يوم فتح بابل وعمورية، وقال كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعا وقد جعلت أبا إسحاق وهو يعني المعتصم في حل ورأيت الله يقول ” وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم “
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح ثم قال “وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيله ؟” وذكر ابن رجب في طبقات الحنابلة أن الوزير ابن هبيرة الوزير الحنبلي العظيم، العالم العابد، كان وزيرا، دخل عليه رجل فأتى هذا الرجل إلى ابن هبيرة، فأعطاه الوزير ابن هبيرة مالا جزيلا ومسح على رأسه، فقال الناس لابن هبيرة ما لك مسحت على رأسه؟ قال عفوت عنه قالوا كيف عفوت عنه؟ قال لما دخل علي عرفني ولم أعرفه، هذا الرجل ضربني ونحن شباب في رأسي، فأذهب عيني، فلا أبصر بها منذ أربعين سنة، فلما دخل علي عفوت عنه، ليعفي الله عني يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فتباكى الناس، وإننا لو نظرنا في سير الصالحين وتأملنا في أحوال المتقين لرأينا أنهم من الصامتين، نعم من الصامتين عن اللغو والباطل، المكثرين من ذكرالله وقول الحق.
وفي الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اطلع على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يضع حصاة في فيه، يمنع بها نفسه عن الكلام، ويمد لسانه بيده، فقال له عمر “مه غفر الله لك ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ قال إن هذا أوردني الموارد” وما أورده رضي الله عنه إلا كل خير، وقد روى الإمام مالك مثل ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولكن من القائل عنه ؟ إنه الرجل الأول بعد الأنبياء والرسل رضي الله عنه وأرضاه، القائل أبو بكر رضي الله عنه، فانظروا إلى حرصه على لسانه رضي الله عنه وأرضاه أنه كان أبو بكر رضي الله عنه يقول هذا الذي أوردني الموارد يعني هذا الذي أوقعني في المهالك أي هذا الذي جائني بالمصائب هذا الذي ورطني هذا الذي أهلكني هذا الذي أوردني الموارد كانوا يحرضون على سجنه ويخافون من جرمه.

