الرئيسيةUncategorizedالفكر يحتوي اللغة
Uncategorized

الفكر يحتوي اللغة

الفكر يحتوي اللغة

الفكر يحتوي اللغة، أم أن اللغة تحتوي الفكر ؟!

محمد خير الهواري

الفكر يحتوي اللغة

ما بين الفلسفة واللغة.. ( تأمُّلات في ما وراء الخطاب ! ) :
” إن للكلمات وزن كاف لإعادة قولبتنا ، ومحو أي تساؤلات “
من رواية جثة لذيذة ، للكاتبة الأرجنتينية أجوستينا ماريا باثتيريكا.
لطالما تردد على مسامعنا من تعريف للإنسان أنه ( كأنٌ حي ناطق ) ، وكأننا نعبر بذلك أن ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية الأخرى هو النطق ، والنطق لا ينفصل عن العقل كميزة ، فالإنسان ناطق لأنه يفكر ، وينطق بما يفكر ، وكأن مفهوم النطق والتعقل مفهومان متلازمان لا انفكاك بينهما !
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هُنا ، هل التفكير أو الفكر مستقل عن اللغة ؟! أم أن الفكر يحتوي اللغة ؟!
أم أن اللغة تحتوي الفكر ؟!
إن الإنسان بمارسته لعملية التفكير والحوار الداخلي التأملي ، يجد نفسه مضطراً لاستخدام اللغة ( الكلمات ، الألفاظ ، الجمل ، وحتى الصور والتعابير ) والتي تعلمها واستقاها من بيئتهِ المحيطةِ بهِ ، فعلى سبيل المثال تجد العربي يفكر بلغة عربية ، والإنكليزي يفكر بلغة إنكليزية ، والفرنسي يفكر بلغة فرنسية ، ولكن ما دور اللغة في هذه العملية ؟!
حتى أن الإنسان المذكور أعلاه بعد أن ينتهي من عمليته التأملية تلك يصوغ أفكاره ومفاهيمه بقالب لغوي لكي يظهر بهِ على الآخر ، يقع قولهُ على مسامعهم ويترك أثراً ، ويأخذُ حيزا من تفكيرهم !
ماذا لو كانت اللغة التي حاك بها مفاهيمه مشوهة !!
أو مزيفة ؟! ، ألن يحدث هذا تضليلاً بالفهم ؟!
لو تتبعنا على سبيل المثال بعض الأمثلة في الفلسفات على مر العصور والأزمنة وباختلاف المناخ الفكري والثقافي .. سنجد مثلاً سقراط في منهجه الحواري التهكم والتوليد ذو الجانبين السلبي ( التهكم ) ، والإيجابي ( التوليد ) ، يركز على مسألة بالغة الأهمية ، فبالشق السلبي يتظاهر سقراط بالجهل وعدم امتلاك المعرفة ويبدأ بطرح الاسئلة على محاورهِ وذلك لإزالة الإلتباس والغموض عن المفاهيم ، بغية تحريره من براثين العبث السفسطائي ، ثم يبدأ بالشق الإيجابي ويقوم بتوليد المعرفة الحقيقية من عقل المحاور عبر طرح التساؤلات الدقيقة وصوغ المفاهيم بشكل أكثر وضوحاً وجلاء .
وكأن سقراط يريد أن يعبر عن أن المسألة كامنة بأزمة بتشكل المفاهيم من خلال التزييف والإلتباس بالألفاظ المشحونة بها .
وهذا ما حاول أفلاطون التعبير عنه بمحاوراتٍ عدة ك ( محاورة السفسطائي ) .
ولو ذهبنا إلى أرسطو فسنجد أنه في نقاشه للمنطق بوصفه أداة أو آلة للعقل ( أفرد بحوثاً خاصة بالحدود * وهي الألفاظ الدالة على معنى ما * والمقولات ومن ثم التحليلات ) ، وتلك إشارة منه على أنه لا بد من نقاش اللغة المنطقية التي سنستخدمها كآلة ضابطة وموجه للعقل .
وهذا ما أكد عليه الفلاسفة المسلمون في تعليقاتهم ونقاشاتهم ، و يمكن أن نجده في وضوح لتتبعنا للنقاشات التي دارت بين كل من الغزالي وابن رشد وغيرهم .
ولو تتبعنا مثالاً آخر ، نجد في العصر الحديث الفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون بكتابه الأورغانون الجديد ومحاولته لوضع منهج يصحح مسار العقل ، فيطرح جانب سلبي من منهجه وهو تطهير العقل من الأوثان أو الأصنام التي شوهت التفكير البشري على مختلف العصور ، وإحدى هذه الأوثان هي ( أوثان السوق / الساحة ) ، والتي عبّر من خلالها بيكون على أننا في كثير من الأحيان قد نقع في الأغاليط ، والتشويه الفكري ، فقط بسبب أن اللغة التي تعبر عن الفكرة هي لغة مزيفة ولا تمت للواقع بصلة مما تثير الجلبة والغوغائية بين الناس .
ولو ذهبنا باتجاه الفلسفة المعاصرة سنجد أن الفيلسوف الألماني هَيدغر يطرح إشكالاً أساسياً حول كون اللغة بيت للوجود ، وليست مجرد وعاء أو أداة ثانوية ، بل هي فضاء للفكر الذي يتموضع بها .
ويمكن أن نلتمس ذلك بوجه الخصوص عند الفيلسوف فغنشتاين بالمعضلة اللغوية وجاك دريدا بتفكيك الخطاب للدخول إلى مكنوناته الحقيقة …. وغيرهم .
من كل ما سبق يضعنا ذلك حول نقطة بالغة الأهمية ، وإشكال حقيقي ، هو أن اللغة ليست مجرد ألفاظ تطرح في الهواء وتحشر في السمع ، بل هي أعمق و أشد أثراً ، حيث أننا سنجدها مقولة ذهنية تنظم الوجود للإنسان وتحدد فهمه للعالم من حوله ، بل وفهمه اتجاه نفسه .. ؟!
وكأن اللغة ليست مجرد حروف وألفاظ بل بُنيات معرفيّة وأحجاراً تشكل الوجود حول الإنسان ، بل وتشكل الإنسان ذاته !
فيتردد على مسامعنا كلمات من قبيل ( الحرية ، العدالة ، الديمقراطية ، المساواة ، المجتمع ، السياسة ، الإنسان ، رجل ، مرأة ، ذكر ، أنثى ، شرف ، وطن … الخ ) وهذه الكلمات ليست مجرد حروف تلقى وتسبح من حولنا بل تترك في أنفسنا أثراً و وقعاً ، وهذا الأثر غالبا إن لم يكن دائما يحدد ردات فعلنا ومواقفنا اتجاه عالمنا المحيط بنا والذي إن حللناه بدقة سنجد أنه عالماً مرسوما باللغة منحوتاً من مادتها .
فالعلاقة بين الفكر واللغة ، ومن ثمَّ بين الفكر واللغة والوجود ، ليست علاقة هامشيّة ، بل علاقة ديناميكيّة و جدليّة شديدة التعقيد والتداخل …
ولكن من الذي سيضمن أن ما يتم تناقله هو لغة سليمة وليست عبارة عن ثرثرة فارغة ، وليست إلا منمقة ورقيقة تزحف بنعومة لتتموضع في أعماقنا وتفكر هي من خلالنا ، وليس لنا الحرية حقيقتاً في تفكيرنا ، ومن ثم ليس لنا الأحقية في اتخاذ مواقفنا الجادة إزاء هذا الوجود ؟!
ماذا لو كانت هذه اللغة والتي إن نجاز لنا تشبييها بالنظارة التي يضعها المرء على عينيه ( والمقصود هنا بالعيون العقل ) ، كانت مخودشة و مشحونة بالأغاليط والإلتباسات ! ، أليس ذلك سيلعب دوراً حاسماً بتشويه الرؤية وبالتلي الفهم والتالي التفاعل مع الذات والآخر و الوجود ؟!
أليست الفكرة السليمة لا بد وأن تُحاك بثوب لغوي سليم يحمل جوهرها ولا يشوه صورتها لكي تصل للآخر بشكل لا خطأ ولا خلل فيه ؟!
ورد عن علي ابن طالب في كتاب نهج البلاغة في إحدة خُطبهِ قولٌ بالغُ الأهمية ينقله عن النبي محمد ( ص ) ، وهو : ” لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ” .
إن في هذا القول ما قد يعبر لنا عن أن الفكر السليم يتخذ لنفسه ثوباً لغوياً سليماً يحمل جوهر المراد لينفذ من خلاله ويعبر عن نفسه بطريقةٍ تضمن له التفاعل بطريقة حيوية فعّالة لا التباس فيها .
فاستقامة اللغة توصل المعنى المراد للآخر دون تضليل أو تشويه ، وتزيل الغموض عن المفاهيم ، وبالتالي حريٌّ بها أن تذهب بعقل المستمع إلى استقامةٍ فكرية ..
وإذا رجعنا إلى كون اللغة بما فيها من ( صور ومفاهيم وتعابير و .. و .. و .. الخ ) ، مستقاة من البيئة كما ذكرنا في البداية ، وإذا كانت اللغة المستخدمة مضللة ، أليس ذلك بدالٍّ على أن البيئة مضلّلَة ومشوهة ؟!
أليس ذلك بكفيل أن يفتح لنا الباب و يقودنا إلى أنَّ إصلاح اللغة قد يكون عاملاً مهماً في إصلاح البيئة الاجتماعية على كافة الأصعدة ( الثقافية والأخلاقية وحتى السياسية ؟؟!! ) .
أليس من الإمكان أن يكون تحريرُ اللغة تحريراً للعقل من الأغلال والقيود التي تكبله دون أن يشعر ، وبالتالي تحريراً للإنسان من العبودية الناعمة والتي قد تكون متوارثة لا جينياً بل سمعيّاً و انفعاليّاً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *