الرئيسيةمقالاتالمملكة العربية السعودية وقضية فلسطين.. قراءة تحليلية في كتاب صادر عن دارة الملك عبدالعزيز (1999م)
مقالات

المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين.. قراءة تحليلية في كتاب صادر عن دارة الملك عبدالعزيز (1999م)

المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين.. قراءة تحليلية في كتاب صادر عن دارة الملك عبدالعزيز (1999م)

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

 

شكّلت القضية الفلسطينية، منذ بداياتها، معيارًا حقيقيًا لالتزام الدول العربية بقضايا التحرر والعدالة، واختبارًا دائمًا لصدق المواقف السياسية بعيدًا عن الحسابات الظرفية والضغوط الدولية. وفي هذا السياق، يحتل الموقف السعودي من فلسطين مكانة خاصة، بوصفه موقفًا ثابتًا ومتجذرًا لم يخضع للتقلبات الإقليمية أو المساومات السياسية. ويأتي كتاب «المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين»، الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز عام 1999م، من تأليف د. عبدالفتاح أبو عليا ود. رفيق النتشة، ليقدّم توثيقًا علميًا وتحليلًا تاريخيًا رصينًا لهذا الموقف، ويؤكد استمراريته بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكًا عابرًا.

أهمية الكتاب وسياقه

تنبع أهمية هذا الكتاب من كونه دراسة توثيقية صادرة عن مؤسسة بحثية وطنية مرموقة، اعتمدت على وثائق تاريخية وخطابات رسمية ومراسلات دبلوماسية، ما يمنحه قيمة مرجعية عالية في دراسة السياسة الخارجية السعودية. ولا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع، بل يقدّم قراءة تحليلية للسياق السياسي والقانوني الذي حكم الموقف السعودي، رابطًا بين البعد القومي والإسلامي للقضية الفلسطينية، وبين قواعد الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي العام.

المنهجية وبنية التحليل

اعتمد المؤلفان المنهج التاريخي التحليلي، من خلال تتبع تطور الموقف السعودي عبر مراحل زمنية متعاقبة، بدءًا من مرحلة ما قبل نكبة عام 1948، مرورًا بالنكبة وتداعياتها، وصولًا إلى التحولات الإقليمية والدولية اللاحقة. وقد حرصا على إبراز الترابط بين القضية الفلسطينية وبنية النظام الدولي، بما يعكس وعيًا سعوديًا مبكرًا بأن فلسطين ليست قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل قضية شرعية دولية بامتياز.

الموقف السعودي قبل نكبة 1948

يوثق الكتاب أن دعم المملكة العربية السعودية لفلسطين سبق إعلان قيام دولة الاحتلال، حيث عبّر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عن رفضه الصريح للانتداب البريطاني ومشاريع التقسيم، واعتبر فلسطين قضية عربية وإسلامية لا يجوز التفريط بها. وقد تجلّى هذا الموقف في التحركات السياسية والدبلوماسية المبكرة، وفي دعم الجهود العربية الرامية إلى حماية الأرض الفلسطينية ومنع اغتصابها.

بعد النكبة: ثبات الموقف وتعدد الأدوات

مع وقوع نكبة عام 1948، لم يتغير جوهر الموقف السعودي، بل تعزّز باتجاه رفض الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير. وقد شاركت المملكة في الجهود العربية المشتركة، وقدّمت دعمًا سياسيًا وإنسانيًا للاجئين الفلسطينيين، مؤكدة أن النكبة ليست حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل جريمة مستمرة تتطلب موقفًا عربيًا ودوليًا مسؤولًا.

الدور الدبلوماسي في المحافل الدولية

يبرز الكتاب الحضور السعودي الفاعل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، حيث دعمت المملكة القرارات الأممية المتعلقة بفلسطين، ولا سيما تلك التي تؤكد عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وبطلان الاستيطان، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وقد شكّل هذا الدور الدبلوماسي أحد أعمدة الدفاع عن القضية الفلسطينية في مواجهة محاولات التصفية وفرض الأمر الواقع.

الدعم السياسي والإنساني

لم يقتصر الدور السعودي على الجانب السياسي، بل امتد ليشمل دعمًا إنسانيًا وتنمويًا متواصلًا للشعب الفلسطيني، من خلال المساعدات المباشرة، ودعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ومساندة المؤسسات الوطنية الفلسطينية. ويعكس هذا النهج رؤية سعودية متكاملة تعتبر أن الدفاع عن فلسطين لا يكتمل دون دعم صمود الإنسان الفلسطيني على أرضه.

المبادرات السياسية

يركّز الكتاب على دعم المملكة للحلول السياسية العادلة، القائمة على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. ويؤكد أن أي سلام لا يقوم على العدالة والحقوق القانونية للشعب الفلسطيني سيظل سلامًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار.

خلاصة القول : 

يؤكد هذا الكتاب، في ضوء التطورات الراهنة، أن الموقف السعودي من القضية الفلسطينية يتمتع بدرجة عالية من المتانة والصلابة القانونية والسياسية. 

فمن منظور القانون الدولي، يستند هذا الموقف إلى قرارات أممية راسخة تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وترفض الاحتلال والاستيطان وضم الأراضي بالقوة، وهي مبادئ لم تحِد عنها المملكة في خطابها السياسي أو ممارساتها الدبلوماسية.

سياسيًا، أعادت التصريحات الحديثة الصادرة عن القيادة السعودية، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، التأكيد بوضوح لا لبس فيه أن قيام دولة فلسطينية مستقلة شرطٌ أساس لأي سلام عادل أو علاقات طبيعية في المنطقة. 

وقد اقترن هذا الموقف بخطوات دبلوماسية فاعلة، تمثلت في الجهود السعودية المتواصلة لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، ودعم عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، والعمل مع شركاء دوليين على تحويل حل الدولتين من إطار نظري إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ على أرض الواقع.

إن الجمع بين الثبات المبدئي، والالتزام القانوني، والفاعلية الدبلوماسية، والدعم الإنساني، يؤكد أن الموقف السعودي من فلسطين ليس موقفًا ظرفيًا أو ردّ فعل آنيًا، بل خيار استراتيجي راسخ، سيبقى حاضرًا في الحاضر والمستقبل، بوصفه ركيزة أساسية في الدفاع عن الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني، وفي السعي نحو سلام عادل وشامل ينهي الاحتلال ويعيد للقضية الفلسطينية مكانتها المركزية في النظام الدولي.

 

د. عبدالرحيم جاموس. 

الرياض 

6/1/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *