الرئيسيةثقافة«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع
ثقافة

«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع

«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع

«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع

عمر ماهر 

في خطوة جريئة تعيد الاعتبار للدراما الإذاعية وتمنحها روحًا جديدة تناسب إيقاع العصر، يخرج إلى النور قريبًا عمل مختلف تمامًا عن السائد، عمل لا يراهن على الصورة ولا المؤثرات البصرية، بل يضع كل ثقله على الخيال والصوت والإحساس الخالص، ليأخذ المستمع في رحلة نفسية مشوّقة داخل عوالم الرعب والغموض، إنه المسلسل الإذاعي الطويل «باب المشرحة»، بطولة النجم رامي وحيد، ومن إنتاج راديو في السكة، والذي يبدو أنه يستعد لفتح باب جديد في شكل ومضمون الدراما الصوتية في مصر.

العمل لا يقدّم الرعب بوصفه مجرد صدمة أو فزع لحظي، لكنه يتعامل معه كحالة نفسية متكاملة، كتوتر بطيء يتسلل إلى الأعصاب دون استئذان، وكأن المستمع يسير في ممر طويل مظلم لا يرى نهايته، يسمع أنفاسه فقط وصدى خطواته، ومع كل ثانية ينتظر ما لا يتوقعه. ومن هنا تأتي قوة الفكرة، فـ«باب المشرحة» لا يعتمد على المشهد، بل على الخيال، والخيال دائمًا أكثر قسوة من أي صورة.

رامي وحيد، الذي عرفه الجمهور في أدوار متنوعة بين الدراما الاجتماعية والكوميديا والإنسانية، يختار هذه المرة منطقة مختلفة تمامًا، منطقة مليئة بالتحدي، حيث الأداء الصوتي وحده هو البطل الحقيقي. فلا كاميرا تلتقط تعبيرات الوجه، ولا إضاءة تخدم الانفعال، كل شيء قائم على نبرة الصوت، على الهمسة، على الصمت بين الجملة والأخرى. وهنا يظهر معدن الممثل الحقيقي، وهنا يثبت الفنان قدرته على أسر المستمع دون أن يراه.

المسلسل يأتي بتصنيف رعب صريح، لكنه رعب نفسي يعتمد على الحكاية والتفاصيل الصغيرة، على الأماكن المغلقة والذكريات الثقيلة والأصوات الغامضة التي لا نعرف مصدرها. عنوان العمل نفسه «باب المشرحة» يحمل قدرًا كبيرًا من الرمزية والرهبة، فالمشرحة مكان يرتبط في الوعي الجمعي بالنهاية، بالغموض، بالأسرار التي تُدفن مع أصحابها، وبأبواب لا يحب أحد أن يقترب منها، فكيف إذا أصبح هذا الباب هو محور الحكاية كلها؟

الإنتاج يتولاه «راديو في السكة»، وهو اسم بدأ يلفت الانتباه مؤخرًا بتجاربه المختلفة التي تحاول إعادة المستمع إلى الراديو ولكن بشكل عصري ومتطور، يعتمد على جودة الصوت، والمؤثرات السمعية الدقيقة، وكتابة درامية مشدودة تشبه الأعمال التلفزيونية من حيث البناء والتشويق. وقد تم تسجيل العمل بالكامل داخل استديوهات راديو في السكة، في أجواء احترافية تضمن نقاء الصوت وتفاصيله، لأن في هذا النوع من الدراما، أي نفس أو حركة أو صوت باب قد يكون عنصرًا أساسيًا في صناعة الرعب.

أما على مستوى الكتابة، فيحمل المسلسل توقيع المؤلف محمد شعبان، الذي يبدو أنه راهن على قصة طويلة النفس، متشعبة الأحداث، لا تكتفي بحلقة أو اثنتين، بل تبني عالمًا كاملًا يعيش فيه المستمع ويتورط معه تدريجيًا. الكتابة الإذاعية تحديدًا تحتاج مهارة خاصة، لأنها تعتمد على الوصف غير المباشر، وعلى الحوار الذي يرسم الصورة في ذهن المتلقي، وهنا يكون القلم مسؤولًا عن خلق المشهد دون أن يراه أحد.

حتى التفاصيل البصرية المحيطة بالعمل لم تُترك للصدفة، إذ تولى تصميم البوستر محمد فوزي، ليقدم هو الآخر لمسة فنية تعكس هوية المسلسل، وتمنح الجمهور انطباعًا أوليًا عن الأجواء القاتمة والمشحونة التي تنتظرهم، فالبوستر في مثل هذه الأعمال ليس مجرد صورة دعائية، بل بوابة نفسية تمهد للدخول إلى العالم المخيف الذي يحمله العمل.

اللافت في «باب المشرحة» أنه يعيدنا لزمن الدراما الإذاعية الذهبية، حين كانت الأسرة تلتف حول الراديو مساءً لتستمع للحكايات المشوقة، لكن بروح حديثة تناسب جيل السوشيال ميديا وسرعة الإيقاع. إنه مزيج بين النوستالجيا والتجديد، بين دفء الصوت القديم وتقنيات التسجيل الحديثة، وبين الحكاية الكلاسيكية وأسلوب السرد العصري.

وربما تكون هذه التجربة بمثابة رهان حقيقي على أن الجمهور ما زال قادرًا على الاستماع والتخيل، وأن الدراما لا تحتاج دائمًا إلى شاشة ضخمة، بل أحيانًا يكفي صوت صادق وقصة جيدة لتصنع عالمًا كاملًا داخل الرأس. فالرعب المسموع، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيرًا من الرعب المرئي، لأنه يترك للعقل حرية رسم أسوأ الاحتمالات.

في النهاية، يبدو أن «باب المشرحة» ليس مجرد مسلسل إذاعي عابر، بل مشروع فني متكامل يسعى لكسر القوالب التقليدية وتقديم تجربة مختلفة وجريئة، تجربة تعتمد على الأداء والكتابة والصوت قبل أي شيء آخر. ومع اسم مثل رامي وحيد في البطولة، وفريق عمل واضح أنه يراهن على الجودة، ينتظر الجمهور عملًا استثنائيًا قد يعيد للدراما الإذاعية بريقها ويضعها

مجددًا في صدارة المشهد.

«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع

«باب المشرحة» حين يتحول الصوت إلى كابوس مسموع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *