الرئيسيةمقالاتبذل السلام وإفشاؤه بين الناس
مقالات

بذل السلام وإفشاؤه بين الناس

بذل السلام وإفشاؤه بين الناس
بقلم / محمـــد الدكـــروي

إن الوقت هو الحياة وهو النعمة التي تمر بنا صامتة فلا نشعر بثقلها إلا حين تمضي، فدقائقه لا تعود، وساعاته لا تستعاد، فيمضي كما يمضي النّفس، فإن حُفظ نمت الحياة، وإن أهمل تسرّبت الأعمار من بين أيدينا، والعاقل من جعل وقته ميزانا لأعماله، فلا يبدده في لغو عابر، ولا يرهقه في فراغ قاتل، بل يزرعه جهدا فيحصد أثرا، ويجعله سُلّما يرتقي به نحو غاية نبيلة، فالوقت إذا أحسن إستغلاله بورك في القليل، وإذا أسيء إستخدامه ضاع الكثير، وما خسر إنسان شيئا أعظم من ساعة مضت بغير نفع، ولا ربح نجاحا أصدق من لحظة وظّفت في علم أو عمل أو خير، فالوقت روح الإنجاز، وسرّ التفوق، ومن عرف قيمته أدرك أن الحياة لا تقاس بطولها، بل بما امتلأت به من أثر وعطاء، وإن بذل السلام وإفشاؤة بين الناس هو سبب لمغفرة الذنوب، لقول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

” إن من موجبات المغفرة بذل السلام، وحسن الكلام ” رواه الطبراني، وكما هو أيضا سبب من موجبات الجنة، فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” يا أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ” رواه الترمذي، وسأل أبو شريح رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام ” رواه الطبراني، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أعجز الناس من عجز في الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام ” رواه الطبراني، وإن مكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية فإن أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية لا يستطيع أفراده أن يعيشوا متفاهمين متعاونين سعداء.

ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة، ولو فرضنا احتمالا أنه قام مجتمع من المجتمعات على أساس تبادل المنافع المادية فقط، من غير أن يكون وراء ذلك غرض أسمى، فإنه لابد لسلامة هذا المجتمع من خلقي الثقة والأمانة على أقل التقادير، وأيضا أهمية الأخلاق في الدعوة إلى الله عز وجل فإن الذي يظن أن الناس يدخلون في الدين فقط لأنهم يقتنعون عقليا فقط، لا شك أنه مخطئ، وكثير من الناس يدخلون في الدين لأنهم يرون أن أهل هذا الدين على خلق، وأن الدعاة إلى الله عندهم أخلاق، والشواهد في هذا الباب كثيرة، فالاستقامة على الأخلاق لها أثر كبير، ونفعها بليغ، ولا أدل على ذلك مما جاء في السيرة النبوية، من أن أخلاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كانت محل إعجاب المشركين قبل البعثة، حتى شهدوا له بالصدق والأمانة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال.

” لما نزلت هذه الآية كما جاء فى سورة الشعراء” وأنذر عشيرتك الأقربين” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد” وهنا قد بدأ انعكاس الصور السلوكية الرائعة في تأثيرها في انتشار هذا الدين في بعض المناطق التي لم يصلها الفتح، إذ دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لما رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خلقا حميدا في أشخاص مسلمين صالحين، مارسوا سلوكهم الرشيد، فكانوا كحامل مصباح ينير طريقه لنفسه بمصباحه، فيرى الآخرون ذلك النور ويرون به، وليس أجمل منه في قلب الظلام، وبناء على ذلك الإقبال سريعا دون دافع سوى القدوة الحسنة، فرُبّ صفة واحدة مما يأمر بها الدين تترجم حية على يد مسلم صالح يكون لها أثر.

لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشر لأن النفوس قد تنفر من الكلام الذي تتصور أن للناطق به مصلحة، وأحسن من تلك الصفات التمسك بالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يرى من الإنسان المسلم، ومن خلالها يحكم له أو عليه، وكذلك أهمية الأخلاق في إضفاء السعادة على الأفراد والمجتمعات، حيث إنه لا شك أن السعادة كل السعادة في الإيمان بالله والعمل الصالح، وعلى قدر امتثال المسلم لتعاليم الإسلام في سلوكه وأخلاقه تكون سعادته، فالتزام قواعد الأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق أكبر نسبة من السعادة للفرد الإنساني، وللجماعة الإنسانية، ثم لسائر الشركاء في الحياة على هذه الأرض، وذلك بطريقة بارعة جدا يتم فيها التوفيق بالنسب المستطاعة بين حاجات ومطالب الفرد من جهة، وحاجات ومطالب الجماعة من جهة أخرى، ويتم فيها إعطاء كل ذي حق حقه، أو قسطا من حقه وفق نسبة عادلة اقتضاها التوزيع العام المحفوف بالحق والعدل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *