بين عامين.. مخاض التحولات الكبرى وتحديات البقاء الرقمي
بقلم: د. محمد أحمد عبد الحميد
لم يكن الانتقال من العام الماضي إلى العام الحالي مجرد طي لصفحة في التقويم الزمني، بل كان عبوراً جسوراً نحو مرحلة توصف بأنها “عصر اللايقين”. فبينما كان العالم في العام المنصرم يحاول لملمة جراحه من آثار أزمات اقتصادية وصحية ممتدة، جاء العام الحالي ليضع البشرية أمام اختبارات أكثر تعقيداً، تمزج بين الصراعات الجيوسياسية التقليدية وبين الثورات التكنولوجية التي أعادت تعريف مفهوم “الواقع”.
تسارع الذكاء الاصطناعي: من الإبهار إلى القلق
لقد شهد العام الماضي الانفجار الكبير للذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث وقف العالم مبهوراً أمام قدرات الآلة. أما في العام الحالي، فقد انتقل التحدي من “الانبهار” إلى “المواجهة”. نحن الآن نواجه أسئلة أخلاقية وتشغيلية صعبة: كيف نحمي الوظائف البشرية؟ وكيف نفرق بين الحقيقة والتزييف العميق (Deepfake) الذي بات يهدد السلم المجتمعي والعمليات الديمقراطية؟ إن التحدي الحالي ليس في كيفية تطوير التكنولوجيا، بل في كيفية حوكمتها قبل أن تخرج عن السيطرة البشرية.
الاقتصاد العالمي: صمود في وجه التضخم
في العام الماضي، كان التضخم هو “العدو الأول” الذي طارد جيوب المستهلكين وخطط التنمية. ومع دخولنا العام الحالي، نجد أن التحدي قد تحول إلى محاولة الحفاظ على “النمو الهش” في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية وتصاعد التوترات في ممرات التجارة الدولية. إن الفجوة بين الاقتصاديات المتقدمة والناشئة تزداد اتساعاً، مما يفرض ضرورة صياغة نظام اقتصادي أكثر عدالة ومرونة لمواجهة الصدمات المفاجئة.
المناخ: من الوعود إلى التنفيذ الإلزامي
انتهى العام الماضي بسلسلة من القمم والمؤتمرات التي قدمت وعوداً براقة لإنقاذ كوكب الأرض. لكن العام الحالي لا يقبل “الوعود”؛ فالظواهر المناخية المتطرفة من فيضانات وحرائق وجفاف أصبحت واقعاً معاشاً لا يعترف بالحدود الدولية. التحدي المعاصر يكمن في تحويل “الاقتصاد الأخضر” من رفاهية اختيارية إلى ضرورة وجودية، تلتزم بها الدول الكبرى قبل الصغرى.
التحدي القيمي والاجتماعي
لعل أصعب التحديات التي برزت بين العامين هي “أزمة الانتماء” و”تفتت الهوية” في ظل الفضاء الرقمي المفتوح. لقد أصبح الفرد يواجه سيلاً من المعلومات المتناقضة، مما أدى إلى حالة من الاستقطاب الفكري الحاد. إن بناء الإنسان وتعزيز الوعي النقدي هو التحدي الأكبر الذي يجب أن تتكاتف من أجله المؤسسات التعليمية والثقافية في عامنا هذا.
كلمة أخيرة
إن التحديات التي ورثناها من العام الماضي وصقلتها أحداث العام الحالي ليست نهاية المطاف، بل هي “مخاض” لعالم جديد يتشكل. إن القدرة على التكيف، والتمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، والاستثمار في العقل البشري، هي المفاتيح الوحيدة للعبور نحو مستقبل أكثر أماناً واستقراراً.

