كتب ضاحى عمار
تتجدد مع كل موجة طقس سيئ أزمة مزمنة في توقيت القرار، حيث يكشف صباح اليوم عن خلل واضح في آليات التعامل مع التحذيرات الجوية، بعدما يصل آلاف الطلاب إلى مدارسهم تحت أمطار غزيرة قبل أن يصدر قرار تعطيل الدراسة وتأجيل الامتحانات، في مشهد يعكس فجوة بين التوقعات والتنفيذ.
منذ ساعات الليل الأولى، تستمر الأمطار في الهطول بكثافة على مناطق واسعة من القاهرة الكبرى، وتتحول الشوارع، خاصة في المرج والمناطق المنخفضة، إلى مسطحات طينية تعيق الحركة. ورغم وضوح المشهد، تتحرك الأسر في الصباح الباكر وفق جداول الدراسة المعتادة، مدفوعة بالالتزام والخشية من الغياب، فيدفع التلاميذ الثمن سيرًا وسط مياه مختلطة بالطين، تتناثر عليهم بفعل حركة المركبات، ليصلوا إلى المدارس بملابس مبللة في صورة تفتقر لأبسط معايير السلامة.
شهادات أولياء الأمور ترصد تفاصيل دقيقة للحظة الوصول؛ أطفال يقفون على أبواب المدارس في حالة من الارتباك، بعضهم يحاول إزالة آثار الطين، وآخرون ينتظرون دخول الفصول وسط أجواء غير مهيأة. وفي هذه الأثناء، يصدر القرار الرسمي بتعطيل الدراسة، متأخرًا بعد أن تتحقق بالفعل كل مسبباته على أرض الواقع.
هذا التأخر لا يقتصر أثره على المشقة البدنية، بل يمتد إلى مخاطر صحية ونفسية، في ظل تعرض الطلاب للبلل الشديد وانخفاض درجات الحرارة، فضلًا عن الارتباك الذي يصيب الأسر بين الذهاب والعودة في نفس الظروف القاسية. ويؤكد مختصون في الإدارة المحلية أن ما يحدث يكشف غياب منظومة استباقية لاتخاذ القرار، رغم توافر أدوات الرصد المبكر لدى الجهات المعنية.
ويشير خبراء الأرصاد والتخطيط إلى أن التنبؤات الجوية الدقيقة، التي تُعلن قبل ساعات طويلة، يجب أن تُترجم إلى قرارات واضحة قبل بدء اليوم الدراسي، وليس بعد تفاقم الأزمة. كما يؤكدون أن التنسيق بين المحافظات ومديريات التعليم وهيئات الطوارئ لا يزال بحاجة إلى تطوير جذري، يضمن سرعة الاستجابة وفعالية التنفيذ.
وفي مواجهة هذا المشهد المتكرر، تبرز الحاجة إلى حزمة من الإجراءات العاجلة والمستقبلية. في مقدمتها، تفعيل نظام إنذار مبكر ملزم، يربط بين هيئة الأرصاد وغرف عمليات المحافظات، بحيث تصدر القرارات قبل ساعات كافية من بدء الدراسة. كما يتطلب الأمر اعتماد آلية مرنة لتقدير الموقف ميدانيًا، تسمح للمحافظ أو المسؤول المختص باتخاذ قرار فوري بناءً على تطورات الحالة الجوية.
كذلك، يصبح من الضروري تطوير البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار، خاصة في المناطق المنخفضة التي تتحول سريعًا إلى بؤر تجمع للمياه، إلى جانب تشديد الرقابة على حركة المركبات في أوقات الأمطار للحد من تطاير المياه على المارة. ويقترح خبراء التعليم التوسع في بدائل التعليم عن بُعد في مثل هذه الظروف، كإجراء احترازي يضمن استمرارية العملية التعليمية دون تعريض الطلاب للخطر.
المشهد الذي يتكرر اليوم يفرض مراجعة شاملة لآليات إدارة الأزمات، حيث لم يعد مقبولًا أن يتحمل الطلاب وأسرهم كلفة التأخر في القرار. وفي ظل التغيرات المناخية التي تنذر بتكرار مثل هذه الظواهر، يصبح التحرك الاستباقي ضرورة لا رفاهية، لضمان سلامة المواطنين وحسن إدارة المرافق الحيوية


