تحت رماد النهار يولد صمت جديد
بقلم/نشأت البسيوني
كلما خيل للعالم أن الحرب هدأت قليلاً اشتعلت دورة جديدة كأن النار تعرف الطريق إلى قلب النهار مهما بدا صافياً اخر الدورات لا تحمل وجوهاً جديدة بقدر ما تعيد الوجوه نفسها في مشاهد أكثر قسوة وأكثر صمتاً وكأن الميدان يختبر قدرة البشر على الاحتمال مرة بعد أخرى على الأرض يتحرك المقاتلون بثبات يشبه العناد لا القوة رجل يعيد ترتيب خوذته وهو يحدث نفسه أن يعود مهما كان
الطريق أطول مما يجب وآخر يراقب السماء كأنه يبحث عن علامة تخبره أن هذه الجولة ليست الأخيرة وثالث يمشي بخطوات مترددة لكنه يمضي لأن في الحرب لا أحد يملك رفاهية التوقف الصمت الذي يولد تحت رماد النهار هو الصمت الذي يسبق الاعتراف بالهزيمة أو النصر لكنه في الحرب الحقيقية لا يحمل أيهما إنه صمت ثقل الفقد صمت العد المستمر للوجوه التي غابت للأحلام التي
انطفأت وللأيام التي لم تعد تشبه الأيام صوت المدافع قد يعلو فوق كل شيء لكنه لا يخفي الصمت الداخلي الذي يلتهم الروح شيئاً فشيئاً في اخر الدورات اكتشف العالم أن الحرب ليست مجرد اشتباك مسلح بل عملية إعادة تشكيل كاملة للحياة الألوان تتغير النبض يتغير وحتى الهواء يصبح أثقل من أن يتنفس الناس في الخارج يرون صوراً أما من يعيشون في الداخل فيرون التفاصيل
التي لا تنشر يرون المقاعد الفارغة والأسرة التي لم تنم عليها أجساد أصحابها منذ شهور ويرون الشوارع التي تعلمت الصبر أكثر من أهلها النهار في الجبهات لا يأتي بضوء كاف ليكشف الطريق لكنه يحمل ما يكفي من الوضوح ليظهر حجم الخراب حجم التغير في العيون التي لم تعد تخاف بقدر ما تعبت وفي كل دورة تتأكد حقيقة واحدة أن الحرب لا تكبر لكنها تتعمق وأن الألم لا ينتشر لكنه
يترسخ في الروح حتى يصبح جزءاً من لغة الناس العالم ينظر يناقش يحلل يضع توقعات طويلة بينما الذين في قلب المشهد يعرفون ببساطة أن الحرب تمضي بقوة من لا يتوقف وأنها حين تستند إلى الغبار فإنها تعرف تماماً كيف تفرض وجودها وكيف تحاصر كل محاولة للنجاة ومع ذلك يظل هناك بصيص صغير يكسر رماد النهار خطوة جندي لم يفقد إنسانيته بعد تساقط الغبار عن
كتف امرأة ما زالت تؤمن أن بيتها سيعود كما كان وضحكة طفل رغم كل الفوضى ما زالت تقاوم كي لا تتحول إلى صرخة هذا البصيص هو الشيء الوحيد الذي يقف في وجه الحرب دون سلاح
يبقى النهار محاطاً بالرماد وتبقى الجبهات مفتوحة لكن البشر رغم كل شيء يبقون واقفين كأنهم يخبرون العالم أن الصمت الذي يولد تحت الرماد ليس استسلاماً بل بداية حكاية جديدة تنتظر أن تجد لها نهاية مختلفة
تحت رماد النهار يولد صمت جديد


