تزينوا ليوم العرض الأكبر
محمد الدكـــروري
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد من عوامل بناء النفس محاسبتها محاسبة دقيقة، بالنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات وإلى اللذات وإلى الهوى، فلابد لها من محاسبة، والكل لا يشك أننا إلى الله راجعون، محاسبون على الصغير والكبير النقير والقطمير، بالأعمال محصلة في سجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، وما دمنا نعلم ذلك، فمن العقل أن نحاسب أنفسنا في الرخاء قبل الشدة، لأن من حاسب نفسه علم عيوبها وزلاتها، ومواطن الضعف فيها، فبدأ بعلاجها ووصف الدواء لها، لقد عرف السلف الصالح أهمية ذلك.
حققوها في أنفسهم، هاهو أحدهم كما أورد ابن أبي الدنيا بسنده، جلس مع نفسه ذات يوم محاسب في آخر عمره، نظر وقلب وفكر وقدر، فإذا عمره ستون عاما، حسب أيامها فإذا هي تربو على واحد وعشرين ألف يوم وخمسمائة، فصرخ وقال يا ويلتاه، ألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة، هذا إن كان ذنب واحد، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ثم خرّ مغشيا عليه، فالمحاسبة تروض النفس وتهذبها، وتزيد العمل الصالح، وتولد الحياء من الله، وتلزم خشية الله تعالي، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا فإنه أهون في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، وإعلموا أن الكذب على الله هو أن تقول على الله ما لا تعلم وهذا كذب خطير، وهو لعب بدين الله، وهو إحقاق للباطل وإبطال للحق، وأما أن تقول على الله بخلاف ما تعلم هناك جريمتان.
الأولى جريمة الجهل، والثانية جريمة أخلاقية، فإنك من أجل مصلحة دنيوية زوّرت الحقائق، ووجهت الآيات، وذكرت الأحاديث، وهذا كله كذب، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، فإن الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ولقد أخبرنا النبى صلى الله عليه وسلم قال ” سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيهاالصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة ” قالوا ” من الرويبضه يارسول الله؟” فقال صلى الله عليه وسلم ” التافه يتكلم في أمرالعامة ” وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم تلك السنوات المتأخرة وكلما بعد الوقت عن الوحي كلما قلّ خيره وزاد شره.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما جاء زمان إلا والذي قبله خير منه ” ومعنى الخداع هو نوع من التدليس على الناس، وهى مهنة قديمة للسحرة والدجالين الذين يلبسون الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق وذلك طمعا فى دنيا زائلة ومنصب بغيض، كما زين فرعون لقومه الباطل وتمادى فيه حتى صار بعد ذلك يستخف بعقولهم وهم يتبعونه ولاتعجب ففي أيامنا من يزين للناس الباطل، ويستخف بهم والناس يصدقونه، وهذا من عجب السنين، ومن قبح هذه السنوات أن يصدق فيها الكاذب، ومن هنا يقاس ويوزن المرء بإعمار المساجد وذكر لله وعمل لدين الله، وإن الفرق واضح ولكن لمن كان له بصر وبصيرة فيحكم في أمور دينه ودنياه بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأما عن الرويبضة فلهم حظ في هذه الأيام الخداعات، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم قال.
” تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي ” ويجب علينا أنى نعى حديث النبى صلى الله عليه وسلم عندما ” جاء الدين غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء” قالوا ” من الغرباء يارسول الله؟” قال: ” هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي ” رواه الترمذي، واصله فى البخاري، ولكن يجب أن نقف وقفه مع ما نراه الآن من تهاوت وتفريط فى حق الله عز وجل من النساء والرجال فنرى، من يتشبه بالنساء من الرجال، ونرى الكاسيات العاريات من النساء، ولكن يجب أن نعلم أن التبرج يضر النساء والرجال في الدنيا والآخرة، ويُزري بالمرأة، وهو حرام على الشابة، والعجوز، والجميلة، والشوهاء، فتبرج المرأة ضرره عظيم، وخطره جسيم، لأنه يخرب الديار، ويجلب الخزي والعار، ويدعو إلى الفتنة والدمار، وإن من أعظم مفاسده هو تشبّه كثير من النساء المسلمات بالنساء الكافرات
في لبس القصير من الثياب والذي يجعلها عارية الذراعين والساقين، وغير ذلك مما أوجب الله عز وجل عليهن ستره وعدم إبداءه إلا لأزواجهن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَن تَشبّهَ بقوم فهو منهم ” فالتبرج معصية لله عز وجل، ورسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكبيرة من الكبائر، بل أنه قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم التبرج بأكبر الكبائر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم سبعة اشياء، ” النوح والشعر والتصاوير، والتبرج، وجلود السباع، والذهب، والحرير” وأن التبرج هو من المعاصي وإن له من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وأن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه يصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.
تزينوا ليوم العرض الأكبر


