تصريحات هاكابي تشعل أزمة دبلوماسية إقليمية.
كتب/ماجد شحاتة
في تطور أثار موجة واسعة من الجدل السياسي، أدلى السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، بتصريحات إعلامية تضمنت إشارات اعتُبرت إقراراً بشرعية إسرائيل على بعض الأراضي العربية، في طرح لم يصدر بمثل هذا الوضوح عن الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته، ما منح التصريح ثقلاً سياسياً يتجاوز كونه رأياً شخصياً.
وجاءت تصريحات هاكابي في مقابلة إعلامية تطرّق خلالها إلى قضايا السيادة والحدود في المنطقة، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع توترات إقليمية متصاعدة وتحولات في موازين القوى الدولية.
رد مصري حاسم… وموقف سعودي داعم
عقب انتشار التصريحات، أصدرت مصر بياناً رسمياً أكدت فيه رفضها القاطع لأي طرح يمس سيادتها أو ينتقص من حقوقها الثابتة، مشددة على أن أمنها القومي وحدودها مسألة غير قابلة للنقاش أو التأويل، وأن المرجعية الوحيدة لأي حديث يتعلق بالأراضي والسيادة هي القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ولم تمضِ ساعات حتى أصدرت المملكة العربية السعودية بياناً أعربت فيه عن رفضها لأي تصريحات تمس حقوق الدول العربية أو تنتقص من سيادتها، مؤكدة دعمها لمبدأ احترام الحدود المعترف بها دولياً ورفض فرض أي وقائع سياسية خارج إطار القانون الدولي.
هذا التتابع السريع في المواقف عكس إدراكاً رسمياً لحساسية اللحظة وخطورة ترك مثل هذه التصريحات دون رد واضح.
قراءة استراتيجية: ما وراء الكلمات
أولاً: التوقيت والرسائل الضمنية
لا يمكن فصل تصريحات هاكابي عن السياق السياسي الأمريكي الأوسع، خصوصاً ارتباطه بالتيار المحافظ القريب من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والذي شهدت فترته قرارات مفصلية غيّرت مقاربات واشنطن لملفات القدس والحدود والسيادة.
التصريح في هذا التوقيت قد يُقرأ كرسالة مزدوجة:
رسالة داخلية موجهة للقاعدة الانتخابية المحافظة في الولايات المتحدة.
ورسالة خارجية تختبر حدود الرد العربي في ظل المتغيرات الإقليمية.
ثانياً: اختبار ردود الفعل
في الدبلوماسية الحديثة، كثيراً ما تُستخدم التصريحات الإعلامية كأداة “جس نبض” قبل الانتقال إلى سياسات رسمية. ولو تُركت مثل هذه التصريحات دون رد حازم، فقد تتحول تدريجياً إلى أرضية خطابية يُبنى عليها لاحقاً.
التحرك المصري السريع، مدعوماً بالموقف السعودي، أغلق هذا الباب مبكراً، مثبتاً خطوطاً حمراء واضحة تتعلق بالسيادة والحدود.
ثالثاً: البعد الأيديولوجي
يعرف عن هاكابي تبنيه خطاباً دينياً-سياسياً يمنح إسرائيل بعداً عقائدياً في مسألة الأرض، وهو خطاب يجد صدى داخل قطاعات من اليمين الأمريكي. وهنا تكمن الخطورة: انتقال النقاش من إطار القانون الدولي إلى إطار تفسيرات أيديولوجية قد تعيد تعريف مفاهيم السيادة بعيداً عن الشرعية الدولية.
رابعاً: كامب ديفيد والتوازنات الإقليمية
أي حديث عن “شرعية” إسرائيل على أراضٍ عربية يلامس – ولو بشكل غير مباشر – منظومة التوازنات التي أرستها اتفاقية اتفاقية كامب ديفيد، والتي قامت على مبدأ الأرض مقابل السلام والاعتراف المتبادل بالسيادة.
إثارة مثل هذه الطروحات قد تُفسَّر إقليمياً على أنها مساس بأسس الاستقرار الذي تشكّل منذ أواخر السبعينيات، وهو استقرار يرتبط كذلك بترتيبات أمنية دقيقة في سيناء وبمعادلات ردع متبادلة.
خامساً: سيناريوهات محتملة
إذا لم يصدر توضيح رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية يقيّد أو ينفي مضمون التصريحات، فقد تتجه الأمور إلى أحد المسارات التالية:
احتواء سريع عبر توضيحات دبلوماسية تقلل من أهمية التصريح.
تصعيد إعلامي وسياسي ينعكس على مستوى العلاقات الثنائية.
تعزيز خطاب متشدد داخل إسرائيل يستثمر ما قيل بوصفه دعماً أمريكياً ضمنياً.
إعادة تموضع عربي أكثر تحفظاً في ملفات التعاون الإقليمي.
الخلاصه.
الأزمة، في ظاهرها، بدأت بتصريح إعلامي، لكنها في جوهرها تعكس صراعاً أعمق حول تعريف الشرعية والحدود والسيادة في منطقة لا تحتمل مزيداً من إعادة رسم الخرائط السياسية.
رد القاهرة والرياض لم يكن مجرد اعتراض دبلوماسي، بل رسالة واضحة بأن أي مساس بالسيادة العربية سيُقابل بموقف حازم ومعلن. وفي بيئة دولية مضطربة، يصبح وضوح الموقف المبكر شكلاً من أشكال الردع السياسي، يمنع تمدد الخطاب ويغلق الباب أمام تحويله إلى سياسة أمر واقع.
ويبقى السؤال معلقاً: هل ستسارع واشنطن إلى تقديم تفسير رسمي يضع حداً للجدل، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من اختبار التوازنات الدقيقة التي تحكمها؟
تصريحات هاكابي تشعل أزمة دبلوماسية إقليمية.


