“حديد يثبت النيتروجين… ثورة خضراء في إنتاج الأمونيا”
بقلم الدكتور/مازن إسماعيل محمد :
مكة المكرمة:-
في ظل التحديات البيئية المتزايدة والبحث المستمر عن حلول صناعية أكثر استدامة، يبرز بحث علمي حديث بعنوان “Catalytic nitrogen fixation using a molecular iron complex under ambient conditions” كخطوة واعدة نحو إنتاج الأمونيا بطريقة صديقة للبيئة. يستعرض هذا البحث استخدام مركب حديدي جزيئي (Molecular Iron Complex) كمحفز (Catalyst) لتثبيت النيتروجين (Nitrogen Fixation) وتحويله إلى أمونيا (Ammonia, NH₃) في ظروف معتدلة (Ambient Conditions)، أي في درجة حرارة وضغط الغرفة، دون الحاجة إلى تسخين أو ضغط مرتفع.
تكمن أهمية هذا الإنجاز في كونه بديلاً محتملاً لعملية هابر-بوش (Haber–Bosch Process)، وهي الطريقة الصناعية التقليدية لإنتاج الأمونيا من النيتروجين والهيدروجين. رغم فعاليتها، إلا أن هذه العملية تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتعتمد على الوقود الأحفوري، مما يجعلها مسؤولة عن نسبة كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا. وتشير التقديرات إلى أن عملية هابر-بوش تستهلك ما يقارب 1–2% من إجمالي الطاقة العالمية.
الطريقة الجديدة تعتمد على محفز يحتوي على ذرة حديد مرتبطة بجزيئات أخرى، قادر على كسر الرابطة الثلاثية القوية بين ذرتي النيتروجين (N₂). عند إضافة عامل اختزال (Reducing Agent) يمنح الإلكترونات، ومصدر بروتونات (Proton Source) مثل حمض ضعيف، يتم تحويل النيتروجين إلى أمونيا بكفاءة عالية وفي ظروف معتدلة. هذا التفاعل يحاكي ما تقوم به بعض الكائنات الحية الدقيقة في التربة، لكنه يتم هنا بأسلوب صناعي يمكن تطويره وتطبيقه على نطاق أوسع.
من الناحية البيئية، تمثل هذه الطريقة تقدمًا كبيرًا نحو تقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق أهداف الاستدامة. أما من الناحية الاقتصادية، فإن استخدام الحديد كمحفز يوفر بديلًا منخفض التكلفة مقارنة بالمعادن النادرة مثل الموليبدينوم أو الروديوم، التي تُستخدم في بعض المحفزات الأخرى. تقنيًا، فإن القدرة على تثبيت النيتروجين في ظروف معتدلة تفتح آفاقًا جديدة لتطوير عمليات صناعية أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة.
ولتقريب الفكرة، يمكن تشبيه جزيء النيتروجين ببيضة مسلوقة ذات قشرة صلبة. الطريقة التقليدية لكسرها كانت باستخدام مطرقة قوية (حرارة وضغط عاليين)، أما الطريقة الجديدة فهي أشبه باستخدام أداة ذكية تفتح البيضة بلطف ودقة، دون عنف أو هدر للطاقة.
في الختام، يمثل هذا البحث خطوة رائدة نحو تطوير تقنيات كيميائية أكثر استدامة، ويعكس قدرة الابتكار العلمي على تقديم حلول عملية لمشكلات بيئية واقتصادية معقدة. وإذا ما تم تطوير هذه الطريقة على نطاق صناعي، فقد تسهم بشكل كبير في إعادة تشكيل مستقبل إنتاج الأسمدة وتقليل الأثر البيئي للصناعات الكيميائية.

